في السنوات الأخيرة، أصبحت قضية الهجرة من الموضوعات الساخنة التي تشغل الرأي العام في العديد من دول العالم، لاسيما في منطقة المغرب العربي. ومع تزايد التدفق الكبير للمهاجرين من الدول الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، باتت موريتانيا في قلب هذه الظاهرة، ما جعلها نقطة عبور مهمة للمهاجرين الباحثين عن فرص أفضل في شمال افريقيا، أو في اتجاه أوروبا. في هذا السياق، انقسمت الآراء الموريتانية بين من يعتبر أن هذه الهجرة تمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي، ومن يرى أنها مؤامرة لتغيير التركيبة الديموغرافية للمجتمع. في المقابل، ظهرت المنظمات الحقوقية المدافعة عن حقوق المهاجرين، معتبرة أن حماية حقوقهم الإنسانية هي أولوية.
تدفق المهاجرين إلى موريتانيا: الأسباب والدوافع
تعد موريتانيا واحدة من أبرز دول المغرب العربي، التي تشهد تدفقا متزايدا للمهاجرين من مختلف الدول الافريقية، وقد تزايدت هذه الظاهرة نتيجة لعدة عوامل، أبرزها الأزمات السياسية التي تعصف ببعض الدول المجاورة مثل، مالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو، بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون في هذه البلدان. العديد من هؤلاء المهاجرين يرون في موريتانيا نقطة عبور نحو أهدافهم النهائية في الشمال. تتراوح دوافع المهاجرين بين البحث عن فرص عمل أفضل، أو الهروب من الأزمات الإنسانية والحروب. وفي الوقت نفسه، أصبحت موريتانيا ممرا أو موطنا لعشرات الآلاف من المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى المغرب أو الجزائر أو السواحل الأوروبية عبر البحر.
السياسات الحكومية في مواجهة ظاهرة الهجرة
على الرغم من التحديات الكبيرة التي تطرحها هذه الظاهرة، اتخذت الحكومة الموريتانية عدة خطوات لتدبير ملف الهجرة، بشكل يتماشى مع التزاماتها القانونية والإنسانية، من خلال التنسيق مع دول المصدر، قامت موريتانيا بتنفيذ إجراءات ترحيل للمهاجرين الذين لا يستوفون الشروط القانونية للإقامة. وفي هذا الصدد، أظهرت الإحصائيات الرسمية أن الحكومة الموريتانية قد رحلت ما بين 1000 إلى 2000 مهاجر إلى مالي، وكذلك ما بين 500 إلى 1000 مهاجر إلى السنغال، في خطوة تهدف إلى تنظيم وجود المهاجرين في البلاد، بما يتماشى مع القوانين المحلية.
خطة الترحيل الطوعي والإقامة الشرعية
في محاولة لتيسير العودة الطوعية، عملت الحكومة على فتح باب الإقامة المجانية للمهاجرين الراغبين في الاستقرار في موريتانيا بشكل قانوني، كإجراء مؤقت لضبط وجود المهاجرين، حيث تم تقديم تسهيلات للمهاجرين الراغبين في الحصول على إقامة شرعية. هذه الخطوة تعتبر جزءا من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تنظيم الوضع القانوني للمهاجرين، بما في ذلك توجيههم نحو مسارات قانونية للإقامة والعمل في البلاد. وتعد خطة الترحيل الطوعي، أحد أهم الجوانب التي اعتمدتها الحكومة الموريتانية، حيث تم تنفيذها بالشراكة مع الدول المصدرة للمهاجرين والمنظمات الدولية، لتوفير بيئة آمنة للمهاجرين من خلال العودة الطوعية إلى أوطانهم.
التحديات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن الهجرة غير الشرعية تمثل تحديا كبيرا على صعيدي الأمن والاقتصاد في موريتانيا، من الناحية الأمنية، يشكل التدفق المستمر للمهاجرين تهديدا لأمن الحدود، خاصة في المناطق الحدودية التي تشهد توترات عسكريه داخل الأراضي المالية، أو نشاطا لتهريب البشر والمخدرات، ما يعزز دور العصابات والجماعات الإجرامية العابرة للحدود. أما من الناحية الاقتصادية، فإن تدفق المهاجرين يؤدي إلى زيادة الضغط على الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم، خاصة في المناطق الحدودية والمدن الكبرى. وفي ظل هذه الظروف، تزداد المنافسة على فرص العمل المحدودة، ما يخلق توترات اجتماعية بين السكان المحليين والمهاجرين.
ردود الفعل المحلية والدولية
على الرغم من محاولات الحكومة الموريتانية تنظيم ملف الهجرة، فإن المواقف الدولية والمحلية بشأن هذه القضية تتنوع. فقد تلقى النظام الموريتاني إشادات من بعض المنظمات الدولية على تعامله المتوازن مع المهاجرين، بينما انتقدته بعض المنظمات الحقوقية، التي اعتبرت أن السياسات الموريتانية قد تكون قاسية في بعض الأحيان على المهاجرين.. وتؤكد المنظمات مثل «هيومن رايتس ووتش» والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على ضرورة أن تواكب السياسات الموريتانية التزاماتها الدولية في حماية حقوق الإنسان. في المقابل، يعبر البعض عن قلقهم من تأثير هذه الظاهرة على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن موريتانيا شهدت، في السنوات الأخيرة، تدفقا متزايدا للمهاجرين من مناطق مختلفة في غرب ووسط افريقيا، حيث يقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يدخلون موريتانيا سنويا بحوالي 150 ألفا إلى 200 ألف مهاجر، وفقا للتقارير الرسمية الصادرة من الحكومة الموريتانية والمنظمات الدولية المتخصصة. كما أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أوضحت في تقريرها الأخير أن موريتانيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع أعداد المهاجرين، على الرغم من الجهود المبذولة لتنظيم الهجرة وتأمين حقوق المهاجرين. إن ظاهرة الهجرة إلى موريتانيا تظل قضية معقدة ومتعددة الأبعاد، تتطلب حلولا شاملة ومتوازنة تراعي حقوق المهاجرين، وفي الوقت نفسه تحافظ على الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. إن الاستجابة لهذه التحديات تتطلب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتنفيذ سياسات هجرة قانونية تعزز دمج المهاجرين بشكل شرعي في المجتمع الموريتاني، مع ضمان احترام حقوقهم الإنسانية. وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الماسة إلى استراتيجيات مرنة تضمن التوازن بين القيم الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار.
كاتب موريتاني
القدس العربي