لسنا ضد القوانين ولا ضد التعيين ولا ضد التنظيم ولا ضد التحديث، ولا حتى ضد الجرأة في اتخاذ القرار. نحن فقط ضد أن يتحول الوطن إلى مختبر تجارب وأن يصبح المواطن الفلسطيني فأر اختبار، وأن يُطلب من الموظف أن يتقن لعبة التوازن فوق حبل مشدود بلا شبكة أمان.
المشهد العام يوحي بأن الإدارة الفلسطينية باتت تُدار بمنطق “الاستجابة الفورية”، لا بمنطق “التفكير المتراكم”. قرارات وتعيينات تولد مستعجلة وتكبر بسرعة ثم تُلقى في حضن الواقع ليقوم الواقع – كعادته – بتربيتها أو كسرها حسب مزاج الظروف.
القرار والتعين عندنا لا يمر بمطبخ التفكير المتأني بل يقفز مباشرة إلى طاولة التنفيذ كأنه تأخر كثيرًا عن موعده، مع أنه في الحقيقة لم يُدعَ أصلًا.
فمرة بحجة الظرف السياسي ومرة بذريعة الضغط المالي ومرة باسم الالتزامات الدولية ومرة تحت عنوان الإصلاح الإداري، حيث تتوالد القرارات والتعيينات بوتيرة متسارعة، بينما يظل السؤال البسيط يتيمًا: هل هذا مناسب لحياة الناس؟ هل يحتمله الحال ؟ هل يستوعبه الموظف؟ أم أننا نضيف عبئًا جديدًا إلى قائمة الأعباء المفتوحة؟
المواطن الفلسطيني يعيش حياة مليئة بالتحايل المشروع على القسوة:
يحايل الراتب ويحايل الأسعار يحايل الفواتير و يحايل القلق ويحايل الزمن وقسوة الفساد .
وحين يأتيه القرار الرسمي، لا يأتيه كحل للأسف بل كمعادلة إضافية تحتاج إلى تفكيك وحلم كبير من الله …..
أما الموظف ، فهو الكائن الوحيد الذي يُطلب منه أن يكون متماسكًا داخل منظومة مهزوزة وأن يكون منتجًا داخل بيئة مشبعة بالقلق، وأن يكون مطمئنًا داخل واقع لا يعرف الاطمئنان.
يُطالَب بالالتزام الكامل بينما يُترك معلّقًا بين راتب مبتور ومستحقات مؤجلة وتشريعات مفاجئة وتعليمات تتغير قبل أن يجف حبرها.
والمضحك المبكي في المشهد، أن كل هذا يُقدَّم بوصفه حرصًا على الصالح العام، بينما الصالح العام نفسه يقف في طابور طويل أمام الصراف الآلي، يراقب شاشة الرصيد كما يراقب المريض جهاز تخطيط القلب.
مع العلم ان الدول لا تقاس في التجارب الرشيدة، بل تُقاس بقدرتها على تبسيط حياة مواطنيها.
أما عندنا، فكثيرًا ما تُقاس بقدرتها على تعقيدها بأناقة من خلال تعينات وقرارات من كوكب العجائب .
فنحن بارعون في إنتاج أنظمة تحتاج إلى أنظمة وتعليمات تحتاج إلى شروحات وشروحات تحتاج إلى دورات ودورات تحتاج إلى لجان ولجان تحتاج إلى قرارات… ثم نكتشف، بعد كل هذا الجهد الهندسي الفذ، أن المواطن ما زال في المكان نفسه بل تراجع كل شيء يخصه والموظف في القلق نفسه والسوق في الارتباك ذاته.
ليس المطلوب كبح القرار بل تهذيبه.
وليس المطلوب تأجيل القوانين بل إنضاجها.
وليس المطلوب إرضاء الجميع بل تفادي إنهاك من لا يحتمل مزيدًا من الإنهاك.
نحتاج إلى إدارة تُجيد فنّ التريث الذكي لا الإسراع او التباطؤ الغبي وتُحسن قراءة الواقع قبل محاولة تعديله
وتفهم أن بعض القفزات السريعة لا تختصر الطريق بل تكسره.
فالقرار الذي لا يُصاغ على قياس الحياة اليومية سيظل غريبًا عنها مهما بدا متقدمًا.
والتشريع الذي لا يُختبر في تفاصيل الناس الصغيرة سيتحوّل إلى عبء كبير مهما بدا أنيقًا في نصوصه.
وفي بلدٍ يعيش على الحافة منذ عقود تصبح الحكمة في التوقيت أهم من الجرأة في الفعل، ويصبح الإصغاء للشارع أبلغ من إبهاره ويغدو العقل الهادئ أصدق من الحماس المستعجل.
أما غير ذلك فسنظل ندور في حلقة مفرغة:
قرارات وتعيننات تتكاثر !!!!وقلق يتمدد
ومواطن يحاول كل صباح أن يعيد ترتيب حياته على مقاس تعليمات لم تُكتب أصلاً له ومن أشخاص غريبة عنه .
ويبقى هو… خارج النص







