عمران الخطيب
في ظل التصعيد المتواصل لاعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم ومنازلهم وحقولهم، وإحراق أشجار الزيتون والاعتداء على المركبات، تتزايد الحاجة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي عربي وإسلامي قادر على توفير الدعم والإسناد والحماية الدولية..للشعب الفلسطيني وتعزيز صموده في الضفة الغربية والقدس.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه السلطة الفلسطينية لانتقادات من بعض الأطراف بسبب عدم تدخل قوات الأمن الفلسطينية في مواجهة اعتداءات المستوطنين، فإن مثل هذه المطالب تتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في الاختلال الكبير في موازين القوى بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”، سواء على المستوى العسكري أو الأمني أو السياسي.
كما أن أي مواجهة مباشرة بين قوات الأمن الفلسطينية والمستوطنين أو جيش الاحتلال الإسرائيلي قد تخدم، بصورة أو بأخرى، أهداف الحكومة الإسرائيلية والائتلاف اليميني المتطرف، الذي يسعى إلى دفع السلطة الفلسطينية نحو مواجهة مفتوحة يمكن استخدامها ذريعة لتصعيد الإجراءات ضدها، وصولًا إلى إضعاف مؤسساتها أو إنهاء دورها السياسي.
الاعتراف الدولي بدولة فلسطين
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء التحولات المتسارعة في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فقد أسهمت التحركات الدبلوماسية، ومن بينها المؤتمر الدولي الذي عقد بمبادرة من المملكة العربية السعودية وفرنسا، في تعزيز مسار الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، في وقت بات فيه الاعتراف بالدولة الفلسطينية يحظى بتأييد متزايد من دول العالم.
وقد ينظر البعض إلى الاعتراف الدولي باعتباره خطوة رمزية، إلا أن تراكم هذه المواقف السياسية والدبلوماسية يشكل ضغطًا متزايدًا على “إسرائيل”، ويؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للتهميش أو التجاوز في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، يكتسب البيان المشترك الصادر في 8 أيلول/سبتمبر 2026 عن كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة أهمية سياسية واضحة، خصوصًا في ما يتعلق برفض أي إجراءات تؤدي إلى ضم أراضٍ فلسطينية أو التهجير القسري للسكان الفلسطينيين.
إن مثل هذه المواقف الأوروبية والكندية يمكن أن تشكل أرضية مهمة لبناء تحرك دولي أكثر فاعلية، إذا ما جرى تحويلها من بيانات سياسية إلى إجراءات عملية، خصوصًا في المجالين الاقتصادي والتجاري.
المستوطنات كأداة في الصراع السياسي الإسرائيلي
وبالتوازي مع ذلك، لا يمكن فصل التصعيد في الضفة الغربية عن المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية للكنيست.
فالأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة تحاول توظيف قضايا الاستيطان ومصادرة الأراضي والاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم ضمن خطاب سياسي وانتخابي يقوم على مزيد من التشدد، الأمر الذي يجعل المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية عرضة لمزيد من الاعتداءات.
وفي هذا الإطار، تبرز مواقف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، باعتبارهما من أبرز رموز اليمين الإسرائيلي المتطرف في الحكومة، إلى جانب السياسات المالية التي تمس السلطة الفلسطينية، ومنها قضية أموال المقاصة والضرائب الفلسطينية.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه السياسات لا ينبغي أن يقتصر على ردود الفعل، بل يتطلب استراتيجية عربية وإسلامية واضحة تستثمر التحولات الدولية المتنامية لصالح الحقوق الفلسطينية.
من البيانات إلى الإجراءات
المطلوب اليوم هو موقف عربي وإسلامي داعم للمواقف التي تتخذها كندا وبريطانيا والدول الأوروبية الرافضة لضم الأراضي الفلسطينية والتهجير القسري، والعمل على تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري مع الدول التي تتبنى مواقف أكثر تقدمًا تجاه القضية الفلسطينية.
فكلما تحولت المواقف الدولية من مجرد بيانات إلى إجراءات عملية، ازدادت قدرتها على التأثير في السياسات “الإسرائيلية”. كما أن توسيع نطاق التعاون الدولي في هذا الاتجاه يمكن أن يسهم في تحميل” إسرائيل” باعتبارها قوة احتلال، مسؤولية سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية والسكان الواقعين تحت الاحتلال.
وفي المقابل، تقوم اللجنة العربية المنبثقة عن القمة العربية بدور مهم من خلال اتصالاتها مع مختلف دول العالم، في محاولة لتعزيز الموقف العربي والدولي الداعم للحقوق الفلسطينية. إلا أن “إسرائيل” تواصل عرقلة الزيارات والاتصالات الدولية، بما في ذلك منع مسؤولين وبرلمانيين ونشطاء متضامنين مع الشعب الفلسطيني من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية.
وتدرك “إسرائيل” أن الوجود الدولي في الأراضي الفلسطينية، وخصوصًا الزيارات الرسمية والسياسية، يساهم في إبراز الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، ويعزز التواصل الدولي مع المؤسسات الفلسطينية، كما يدعم مسار الاعتراف بدولة فلسطين.
الحفاظ على الثوابت الوطنية
وبغض النظر عن الخلافات السياسية الداخلية أو الملاحظات على أداء السلطة الفلسطينية، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع مسؤولية الحفاظ على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
فالهدف الأساسي للائتلاف الإسرائيلي اليميني والديني المتطرف هو منع قيام الدولة الفلسطينية وإفشال أي مسار سياسي أو دولي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف.
وأمام هذه التحديات، يبقى صمود الشعب الفلسطيني وثباته على أرضه العامل الأهم في مواجهة مخططات التهجير ومصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
إن المعركة ليست عسكرية فقط، وإنما هي أيضًا معركة سياسية ودبلوماسية وقانونية واقتصادية. ولذلك، فإن تعزيز صمود الفلسطينيين، وتوسيع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وتحويل المواقف الدولية إلى خطوات عملية، تمثل جميعها أدوات أساسية في حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية وإفشال مخططات التهجير وإنهاء الاحتلال.
عمران الخطيب