(النحن) و(الهُم): مآلات محنة انعدام الحوار مع الآخر :

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ما يزال الفكرُ الثقافيُّ العربي، الموسومُ بطابعه التقليدي، يتدحرجُ نحو الأسفل متشظّيًا، تحت وطأة صدمةٍ معرفيّةٍ إبستمولوجيّةٍ عميقة، تفاقمت بفعل محنة انعدام الحوار مع الآخر، لا بل بالتقليل من شأنه والانتقاص من قيمته. وقد ازدادت هذه الأزمة حدّةً مع انفصال الثقافيّ عن السياسيّ؛ إذ ينظر الأوّل إلى الثاني بوصفه فاعلًا براغماتيًّا تحكمه المصالح الضيّقة، فيتعالى عليه، ويختزله إلى مستوى نقابيٍّ أدنى، مكتفيًا ببرودٍ نخبويٍّ لا يُنتج معرفةً ولا يؤسّس فعلًا.
وفي خضمّ هذا الانفصال، تعطّل السؤالُ الثقافيّ عن إنتاج شروط حراكه وجدله، وانكفأ عن مساءلة قلقه الأنطولوجيّ وسياقه التاريخيّ، على نحوٍ أشار إليه المفكّر السوري الراحل مطاع الصفدي. ومن ثمّ، لم يعد الفكر الثقافيّ العربيّ، وفق تعبير أنطونيو غرامشي، «حزبًا إيديولوجيًّا» بالمعنى الفاعل، بل انحدر إلى «حزبٍ يسمع صدى صوته»؛ أي كيانٍ منغلقٍ على مصلحته الخاصّة، مصلحةِ جماعته الضيّقة، أو طبقته الاجتماعيّة، أو حتى فرده المعزول. وهكذا تحوّل من جماعةٍ سياسيّةٍ مفتوحة إلى جماعةٍ نقابيّةٍ أو عائليّةٍ مغلقةٍ إحكامًا.
هذا الفكرُ الواهن ما يزال رازحًا تحت إشكالات محنته المتفاقمة، إزاء إيديولوجيا النصوص وتأويلاتها «التطهيريّة»، وهبوطها المتسارع غير المقدّس على أرض العُصاب الدينيّ المتحجّر، ضمن ما يمكن تسميته بتاريخ «المدن السرّانيّة» على حدّ تعبير الصفدي. وفي ظلّ هذه القراءة الإشكاليّة للتاريخ وتداول النصوص، فقد الفكرُ الثقافيّ كثيرًا من توازنه واطمئنانه، واضطربت أنماطه المعياريّة في مقاربة مفاهيم الثورة، والمقدّس، والأهليّة، والمعيش، والحاكميّة، والسلطة، والرفاهيّة، والإيديولوجيا، وما يتفرّع عنها من مفاعيل وارتدادات.
ولا ريب أنّ مرحلة «ما بعد الصدمة» لا تزال غائمةً ومخيفة، كامنةً تحت سطح الوعي الجمعيّ، لم يُؤسّس لها العقلُ السوسيو-سياسيّ العربيّ مقدماتٍ إجرائيّةً واضحة، ولا آليّاتٍ فعّالةً متجذّرةً في الواقع المعيش، ضمن إطارٍ توافقيٍّ ينسجم فيه المعرفيّ بالإبستمولوجيّ، والاجتماعيّ بالسياسيّ. ومن هنا، ظلّت الطبقات الحاكمة قادرةً على إعادة إنتاج هيمنتها، عبر ضمان حدٍّ أدنى من قبول الطبقات الأدنى بقيادتها، دون احتجاجٍ صريح.
وفي هذا السياق، يبرز دور المثقّفين بوصفهم أدوات الهيمنة الناعمة؛ إذ تُنشئهم كلُّ طبقةٍ لتكريس رؤيتها للعالم، ونشر تصوّرها الخاصّ بوصفه تصوّرًا كونيًّا. فمهمّتهم ليست مجرّد إنتاج المعرفة، بل إعادة إنتاج البنية الرمزيّة التي تضمن استمرار السلطة، في مواجهة مثقّفي الطبقات القديمة الآفلة، أو تلك التي لا تزال في طور التشكّل.
لقد ظلّت هذه المرحلة مشدودةً إلى قوّتين متضادّتين: جاذبةٍ ونافذةٍ في آنٍ معًا، تتحكّمان بآليّات العنف الرمزيّ، وبنظامٍ طقوسيٍّ مؤسَّسٍ على قصديّة الهيمنة وتمثّلاتها التاريخيّة. ونتيجةً لذلك، تآكل حضورها الواقعيّ، وتراجع تأثيرها الفعليّ، لصالح أوهام إنتاجٍ رمزيٍّ للقوّة، يتجاوز حدود المعقول، ويتخطّى نسق التوقّعات والتحليلات التي صاغها الفكرُ الثقافيّ التقليديّ نفسه.
ولأنّ الصراع على التماهي مع ثقافة السلطة قد بلغ ذروته، باتت الثقافاتُ الاجتماعيّة والسوسيو-سياسيّة والسوسيو-ثقافيّة الهامشيّة تخوض «حرب مواقع» مفتوحةً لا أفق لنهايتها، كما يؤكّد أنطونيو غرامشي، في تحليله لمفهوم الهيمنة الثقافيّة بوصفها أداةً مركزيّةً للحفاظ على السلطة داخل المجتمعات الرأسماليّة.
وهكذا، تتبدّى ثنائيّة «النحن» و«الهُم» لا بوصفها مجرّد انقسامٍ لغويٍّ أو ثقافيّ، بل كعرضٍ بنيويٍّ لأزمةٍ أعمق: أزمةِ حوارٍ غائب، وعقلٍ منكفئ، وثقافةٍ لم تُنجز بعدُ شرطها النقديّ في مواجهة ذاتها والآخر معًا.