إذا كان هناك شيء يمكن أن تصف به الحكومة في بكين قرارها أن تكتفي كل أسرة صينية بإنجاب طفل واحد، فهو الندم، وإذا شئنا الدقة قلنا الكثير من الندم.
صحيح أن الحكومة الصينية أقلعت منذ عام 2016 عما كانت تسميه سياسة الطفل الواحد، وصحيح كذلك أنها اتجهت بعدها الى ما سمّته سياسة الطفلين، وصحيح للمرة الثالثة أنها أنهت الالتزام بالسياستين في مرحلة لاحقة، ولكن الأصح أنها تجد نفسها هذه الأيام في موقع الحكومة التي تجني عواقب سياسات جرى فرضها من جانبها في وقت من الأوقات، ولم تكن طبعاً تعرف أنها ستكون على موعد مع عواقب مؤلمة من نوع ما سوف نعرفه حالاً.
ولو أن أحداً عاد إلى تقرير صحفي أذاعته وكالة الأنباء الفرنسية بهذا الشأن مؤخراً، فسوف يجد أن ما أقوله في السطور السابقة في محله، وأني أتكلم عن واقع لا مبالغة فيه، وإلا، فما معنى أن يكون المواليد في الصين خلال السنة قبل الماضية تسعة ملايين و 540 ألفاً، وأن يكون هذا العدد نصف عدد المواليد الصينيين في 2016؟
المفارقة في الموضوع أن عدد المواليد خلال عام البدء في الإقلاع عن سياسة الطفل الواحد، ضعف عدد المواليد في ٢٠٢٤، مع أنه عام لا قيد فيه من أي نوع على الإنجاب، ولا سياسة سكانية متبعة فيه بما يدعو السكان إلى الحد من الإنجاب.. فالعكس كان يجب أن يكون هو الصحيح.. لأن الصينيين في ٢٠١٦ كانوا ملتزمين بما وضعته الحكومة وقتها من قيود على الإنجاب، أما في ٢٠٢٤ فلم يكن هناك أي قيد، فالإنجاب فيه لمن يشاء كان حراً تماماً، وبغير تحديد أي عدد من الأطفال!
ومع ذلك، فالظاهر أن الفترة التي جرى فيها إلزام الأسرة بطفل واحد، ثم بطفلين، قد جعلت الرغبة في عدم الإنجاب طبعاً في المواطنين، ولأن الطبع كما قيل يغلب التطبع، فإن كل دعوة إلى الإنجاب في الصين هذه الأيام لا تجد آذاناً صاغية، بل تجد إعراضاً، وهو الشيء الذي يقلق الحكومة.
إننا نذكر أن بكين قضت سنوات طويلة كانت فيها هي الأعلى سكاناً بين أمم الأرض، وكان ذلك إلى سنتين أو ثلاث سنوات مضت عندما تجاوزتها الهند وصارت هي الأعلى سكاناً بلا منافس.
وحين كانت الصين توصف ولا تزال بأنها قوة تناطح الولايات المتحدة، فإن وجهاً من وجوه القوة فيها كان يرجع إلى تفوقها على جميع دول العالم في عدد السكان، لا لشيء، إلا لأن سكانها كانوا قوة منتجة، وكان هذا ينعكس على اقتصاد البلاد.
وإذا كان عدد الصينيين يصل اليوم إلى نحو المليار و٤٠٠ مليون نسمة، فتقارير السكان ذات الصلة تقول إن هذا العدد مرشح لأن ينقص إلى ٦٣٣ مليوناً في عام ٢١٠٠، إذا مضت معدلات المواليد على ما هي عليه من وتيرة هذه الأيام!
السكان الأكثر عدداً ليسوا بالطبع هُم كل شيء، فالأمريكيون في الولايات المتحدة أقل من هذا الرقم الذي يمكن للصينيين أن يصلوا إليه نهاية هذا القرن، ومع ذلك، فالولايات المتحدة هي القوة رقم واحد في عالمنا المعاصر على المستوى الاقتصادي، والعسكري، وربما التكنولوجي أيضاً.
القضية بالنسبة للصين مختلفة، لأنها أصبحت الاقتصاد الثاني بفضل عمل هذا العدد الحالي من السكان، فإذا ما نقصوا إلى نصف العدد تقريباً نهاية القرن مع تثبيت بقية عناصر الإنتاج، فمعنى هذا أنه من المحتمل أن تفقد الصين موقعها خلف الولايات المتحدة اقتصادياً، وتتقدم عليها اقتصادات أخرى.
وكانت وكالة الأنباء الفرنسية قد نشرت شهادة مع مطلع العام الجديد، فكانت الشهادة ولا تزال موضع اهتمام ظاهر من الدوائر الاقتصادية على امتداد العالم.
الوكالة نفسها هي التي عادت فأذاعت في تقريرها عن احتمال تناقص السكان في الصين، وقالت إن الشباب الصيني المتزوج حديثاً يفضل العيش بشعار اسمه «دينك» وهذه بدورها كلمة تتشكل من الحروف الأولى من عبارة بالإنجليزية تعني «دخل مزدوج بدون أطفال» والمعنى أن الشباب الصيني يميل في الغالبية منه إما إلى تأجيل الزواج، وإما إلى الزواج مع عدم الإنجاب، وإذا كان الوضع على الأرض في الصين هكذا، فالحكومة الصينية تجد نفسها إزاء مشكلة، لأن أي حكومة لا تستطيع إجبار مواطنيها على الزواج ولا على الإنجاب.
فهي قد تُغري وتقدم الحوافز على الشيئين، ولكن حتى الحوافز والإغراءات صارت غير مجدية، وإذا شئت دليلاً فراجع من فضلك تجربة اليابان في التحفيز على الإنجاب!
أظن أن الحكومة في بكين تستشعر شيئاً من الندم على الأخذ بسياسة الطفل الواحد، ليس لأنها كانت سياسة خاطئة في حد ذاتها، ولكن لأنها إذا كانت قد جنبت البلاد مشكلة تتمثل في التزايد السكاني غير المحسوب، فإنها وضعتها أمام مشكلة أكبر تتجسد في التناقص السكاني المخيف!.










