النفاق على مؤشر الذكاء الاصطناعي

د. حارث سليمان

النِّفاق، في تعريفه اللغوي، هو فنّ الإخفاء المتقن: أن تُظهر شيئًا وتُبطن نقيضه، أن تقول بلسانك ما لا يمرّ قرب قلبك إلا للسخرية.

قال أهل اللغة إن أصله من “النفق” – أي الممرّ الخفي – وهو تعريف دقيق لعدد غير قليل من المواقف السياسية التي تدخل من باب التصريح وتخرج من باب النفي.

النِّفاق! هو فنّ ارتداء المعنى قناعًا، والعبارة ثوبًا، والنيّة سرًّا في غرفة مغلقة.

قال ابن رجب: هو من جنس الخداع والمكر، إظهار الخير وإبطان خلافه. وقال النووي: هو إظهار ما يُبطن ضدّه. وبين التعريفين مسافة قصيرة، تكفي لمرور معظم الخطابات العامة في منطقتنا من دون ازدحام.

وقد وردت مشتقات النفاق في القرآن الكريم ٣٧ مرة تقريبًا في مواضع مختلفة، بينما ذُكرت كلمة “المنافقين” بمفردها نحو 13 مرة، وقد أفرد الله سورة كاملة باسم “المنافقون”. وتُبيّن الآيات الكريمة مصيرهم المحتوم في الآخرة، وهو الدرك الأسفل من النار، وفي ذلك إشارة بليغة إلى أن النفاق ظاهرة قديمة، راسخة، ومتجددة الإنتاج.

في لبنان، لم يعد النفاق سلوكًا طارئًا، بل صار أقرب إلى مورد طبيعي متشعب المستويات والنواحي، بحيث قد يحتسب المراقب لوهلة أولى أنه الرياضة الوطنية الفضلى. يُمارَس يوميًا، موسميًا، انتخابيًا، وإعلاميًا، وبمستويات متفاوتة من الحِرفية.

النفاقومتر: من الخيال إلى الذكاء الاصطناعي
ولأن لبنان لا يرضى إلا بالحلول المبتكرة، كان مأمولًا أن يولد فيه، نظريًا على الأقل، جهاز لقياس النفاق: النفاقومتر.

هو جهاز صغير يُعلّق على ياقة السترة. لا يقيس نبض القلب ولا ضغط الدم، بل يقيس الفارق بين الكلام والممارسة، بين الصدق والكذب، بين الجدية والرياء. يضيء بالأخضر عند الصدق، بالأحمر عند التناقض، ويُطلق صفيرًا متصاعدًا عند ازدياد جرعة الرياء المسرحية في الأداء العاطفي. ومع الحالات المتقدمة من الخداع، يُصيب المتكلم بتلعثم مفاجئ، ويهاجمه لكي تتجمّع وتختنق الكلمات في حلقه احتجاجًا.

لكن هذه النسخة التقليدية لم تفِ بالحاجة في زمن تضليل عالي السرعة. فجاء التحديث الكبير: النفاقومتر – مدعومًا بالذكاء الاصطناعي.

لم يعد الجهاز يكتفي بسماع التصريح، صار يحلّل، يُقارن، يُؤرشف، ويستدعي الماضي الذي يظنّ أصحابه أنه تقاعد إلى النسيان. وتحول النفاقومتر الذكي من صفّارة محرجة لمتكلم مخادع، إلى منصة تحليل.

فالنسخة الجديدة موصولة بأرشيف التصريحات، المقابلات، التغريدات، الوعود الانتخابية، التصويتات، والخطط “المرحلية” التي تعيش أطول من مراحلها.

النفاقومتر هو جهاز صغير يُعلّق على ياقة السترة. لا يقيس نبض القلب ولا ضغط الدم، بل يقيس الفارق بين الكلام والممارسة، بين الصدق والكذب، بين الجدية والرياء.
هو لا يسأل: ماذا قلت الآن؟ بل يسأل: ماذا قلت قبل سنة؟ وماذا فعلت بعد القول؟ ولماذا تنفي اليوم ما أكّدته أمس بالقسم الغليظ؟

إنه يعتمد على ثلاثة مؤشرات:

الفجوة بين القول والفعل
السرعة في تبدّل المواقف
كثافة العاطفة مقابل ندرة الوقائع
وعند تجاوز الحدّ المسموح، تظهر رسالة مهذبة: احتمال نفاق مرتفع، يُستحسن مراجعة الأرشيف قبل المتابعة.”

طرابلس: حين يصبح الإسمنت أصدق من الخطابات
لو كان هذا الجهاز في الخدمة العامة، لدخل لبنان فورًا عصرًا جديدًا من الشفافية للبعض… وعلى الأقل عصرًا جديدًا من الضجيج لقسم عميم آخر، فيما تبلكمت أفواه أخرى وأصدرت أصواتًا وكلمات لا معنى لها ولا مضمون بها.

ولو تتبعنا عمل هذا الجهاز، بعد أن نشرنا أعدادًا معتبرة منه، في موسم الكوارث الطرابلسية المتعددة الأنواع بحرًا وبرًا وبيئة وتلوثًا وفقرًا، وعلى مدى السنوات، وصولًا إلى انهيار المباني على سكانها، حيث الإسمنت المتعب أكثر صدقًا من تصريحات عاجلة، والمباني المتصدعة صارت أكثر التزامًا بالحقيقة من بعض الخطابات.

في طرابلس، لو يخضع المسؤولون لاختبار النفاقومتر الذكي فور وقوع كل كارثة، ويراقب الجهاز الذكي الجولات الميدانية، والصور أمام الركام، ويحلّل النظام النمط المتكرر: ظهور فوري أمام الكاميرات، وعود عاجلة، غضب مُعلن… حيث يتحدث الجميع بلهجة الطوارئ، كأن الإهمال وُلد صباح الكارثة، وكأن السنوات الطويلة لم تمرّ، وكأن المسؤوليات السابقة كانت مجرد تدريب نظري.

من كانوا في سدة السلطة ونعمها لعقود من الزمن، يتسيّدون المشهد الغاضب ويتصدرون موكب الضحايا ويهتفون بمطالب المحاسبة والمساءلة… لجان تحقيق سريعة التشكيل بطيئة الإنجاز، ثم صمت إداري عميق.

الذكاء الاصطناعي لا يتأثر بنبرة الصوت ولا بصدق الدموع التلفزيونية. يقارن التواريخ فقط. فيكتشف أن بعض المتحمسين للمحاسبة اليوم كانوا جزءًا من منظومة الإهمال بالأمس.

لو أنصتنا لجهاز النفاقومتر على صدور هؤلاء المسؤولين، لبدأت مؤشراته وإنذاراته بالارتجاج كأنها على خط زلزالي، ولصمّ أزيز صافراته أسماع الجمهور المنهمك بأعمال الإغاثة والنجدة.

بعد انقشاع عدسات الكاميرات، تعود الحناجر إلى هدوئها، كما تعود الملفات إلى الأدراج، وتعود اللجان إلى السبات، ويعود المواطن إلى ترقّب انهيار أسقف أخرى.

هنا لا يكتفي النفاقومتر بالصفير، بل يُصدر إنذارًا مدنيًا على شاكلة تحذير:

“تعاطف موسمي متكرر – لا أثر تنفيذي لاحق – مدة صلاحيته 72 ساعة فقط.”

الجنوب: المصافحة بدل التخوين
لا يقتصر اعتماد النفاق وسيلة على مواسم الكوارث في منطقة واحدة، بل يتعدى ذلك إلى الاستقبالات الرسمية في مناطق أخرى، حيث تتحول الخصومات الصباحية إلى مجاملات مسائية، وتنقلب حملات التخوين التي كانت بالأمس في أعلى درجات الشراسة إلى ألطف لغات الترحيب.

في قرى الجنوب المنكوب ومدنه، مصافحات حارة، ألقاب منمّقة، وعبارات من نوع “التعاون البنّاء” و“المرحلة الجديدة”، والسعي إلى شراكة في صرف أموال قادمة. بعض من الناس أرادوا بصدق وواقعية سلامة بيوتهم وعائلاتهم تحت سقف الدولة، فتجرأوا يستقبلون رئيس حكومتهم، وهم يهزجون بمدائح لا تنتهي بعودة الدولة إلى قراهم.

البعض الآخر الذين لُقّنوا سابقًا ترداد هتاف: “نواف سلام صهيوني”، كانوا ينثرون وردًا وأرزًا على موكبه!

لا يحسم النفاقومتر في حقيقة هذا الانقلاب وتعبيراته. ترى هل هو استفاقة، ولو متأخرة، من أوهام بان زيفها؟ أم تقية لا بد منها لاستدراج دعم وتمويل طال انتظار الحصول عليه من جهات أخرى؟

وهل أصبح مقبولًا لدى ممتشقي الشتائم سلاحًا، وحملات الافتراء نهجًا، إسقاط الموقف السياسي المتحصن بالعزة والكرامة مقابل تمويل الإعمار والتعويض المالي؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فعلام نُتعب الأنفس للتمييز بين التسول والارتزاق أو جباية الخُوّة؟

النفاق المالي: بروتوكول مصالح
يتردد الذكاء الاصطناعي لثوان قليلة في تقييم الانقلاب وأبعاده، سيما بعد تنحية بطل تحدي الدولة في الروشة وإقالته، لكنه يطلق أزيز صافراته لحظة إعلان نائب من كفركلا، كان باعه طويل في كل أزمة وكارثة، أنه “يضع يده بيد رئيس الحكومة أو في خزينتها”، متنكبًا مسؤولية إعمار لا إصلاحية له به، ولا مصلحة للناس في أن يتولاه.

عند ذلك يطلب النفاقومتر فورًا تحديثًا لبرنامجه، بعد حصول عاصفة في لوحة القياس، وتسطع أزراره احمرارًا، فيما تظهر على شاشته خلاصة علمية مقلقة: النفاق ليس سلوكًا فرديًا متقطعًا، بل نمط تشغيل متكامل.

على خط آخر، ترتفع حساسية الجهاز إلى أقصاها حين تتكلم المصلحة والأطماع بلغة الحنان والرحمة، ويرتدي النفاق بدلة رسمية في القطاع المصرفي، ويتحدث بلغة إنسانية وقانونية.

خطابات مؤثرة باسم المودعين، دموع نظرية على الحقوق، واقتراحات “إنقاذية” تبدأ ببيع كل ما هو أملاك عامة، مرافق خدمات حيوية، تسييل احتياط الذهب، وتنتهي بتحميل الكلفة لكل من لم يشارك في قرار إهدار المال وجنى الأعمار.

لغة مليئة بالعطف، محشوة بالأرقام، خفيفة في ذكر المسؤوليات.

خطاب يعلن “الدفاع عن حقوق المودعين”، يقابله رفض صلب لإجراءات وقوانين إصلاحية أساسية مثل: رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، معالجة الفجوة المالية بشفافية، توزيع الخسائر وفق المسؤوليات طبقًا لقانون النقد والتسليف، والتملص من إجراءات التدقيق الجنائي ومراجعة حسابات وتحويلات المصرف المركزي وبقية المصارف.

لا ينفعل النفاقومتر الذكي بالشعارات، بل يربط بين ما يُقال عن حماية الودائع وما يُرفض من أدوات قانونية لكشف المسارات والمسؤوليات.

فتظهر النتيجة:

“تضارب مصالح عالي الكثافة. الضرورة الوطنية تقتضي الابتعاد عن استنزاف الثروة العامة.”

نسبة توزيع الخسائر على غير المتسببين بها مرتفعة جدًا، فيما نسبة تحمّل المسؤولية الذاتية لأصحاب القرار المالي والمصرفي تحت الصفر النظري.

النفاق المالي ليس حادثًا عرضيًا، بل بروتوكول عمل لحماية شبكة من المصالح والارتكابات، “وعليه لا يمكن إطفاء الحريق مع الاعتراض على فتح باب غرفة الإطفاء.”

حتى مع ذكاء اصطناعي فائق، سيبقى الجهاز الأهم هو الذاكرة العامة. فالتقنية تستطيع كشف التناقض، لكنها لا تستطيع إجبار أحد على الصدق. وسيبقى المواطن، للأسف ولحسن الحظ، هو النفاقومتر الأكثر دقة… أو يستمر النفاق.