الهليون رواية ل طلال ابو شاويش تقع على متن 335 صفحة من القطع المتوسط، وهي من اصدارات مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر والتوزيع في غزة/فلسطين، والرواية صدرت بطبعتها الاولى سنة 2022.
تدور أحداث رواية “الهليون” للروائي الفلسطيني طلال أبو شاويش حول مواجهة نفسية وإنسانية معقّدة بين جلادٍ وضحيةٍ لم تنكسر ارادتها رغم الامواج العاتية من تعذيب ومرض واسر، في سياق فلسطيني مشحون بشلال من القهر ومحاولات الاخضاع لكنه كان دائما ينفجر بالمقاومة.
رواية “الهليون” تقوم احداثها على تتبع قصة جاسوس إسرائيلي تم زرعه في اواسط الشعب الفلسطيني في غزة، حيث أقام لمدة عشرين عاما واكثر في مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة حتى انه تزوج فيها، ويعود زمن زرع الجاسوس الهليون في غزة الى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وهي فترة عنفوان وطني على كافة الصعد، تمثلت صورته الكبرى بمثال الفدائي الذي قرر ان ياخذ على عاتقه زمام تحرير بلده دون الارتكان او الارتهان للانظمة العربية والسعارات الكاذبة… وخير ما تجسدت فيه صورة غزة في تلك الفترة سيرة الخلايا الفدائية المسلحة والتي تضرب وتصول وتجول حتى قيل عنها بانها تحكم في الليل وجيش الاجتلال في النهار.
و”الهليون” لقب كان يطلقه سكان المخيم على ذلك الشخص البسيط، والذي يعمل في مهنة وضيعة -نضح الحفر الامتصاصية- والذي لجأ إليهم وادعى أنه لاجئ فلسطيني قادم من مخيم شاتيلا في لبنان، بعدما فقد أهله إثر غرق مركب يقلهم خلال رحلة هروبهم من يافا ثم نزوحهم الى شمال فلسطين المحتلة ثم لجوئهم إلى لبنان، إبان نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948.
بطل الرواية من الجانب الإسرائيلي هو ضابط في جهاز الشاباك يُدعى “يوشع بن دافيد”، أمضى سنوات طويلة في غزة، حيث كان والده “ديفيد هيلين” – الملقب بـ”الهليون” بين سكان المخيم – مسؤولًا أمنيًا كبيرًا عُرف بقسوته ووحشيته في التحقيق.
يموت الأب [الهليون] في غزة ظل لغزًا يؤرق يوشع: هل مات ابوه طبيعيًا أم قُتل رغم انه اقام له العزاء مرتين؟ سؤال تحوّل إلى هاجس شخصي دفعه للبحث داخل الدوائر الأمنية الاسرائيلية دون أن يحصل على إجابة شافية.
يتبدّل مسار الأحداث عندما يعلم يوشع أن مقاوماً فلسطينياً سابقاً يُدعى “منصور” – قضى نحو 25 عاماً في سجون الاحتلال وأصيب بالسرطان – حصل على تصريح للعلاج في مستشفى إسرائيلي بعد ضغوط حقوقية.
يرى يوشع في مرض منصور فرصة أخيرة للوصول إلى الحقيقة، باعتباره كان من أبرز المعتقلين في تلك المرحلة، وربما يمتلك سرّ موت والده.
في الطريق إلى معبر بيت حانون (إيريز)، يستعيد يوشع ذكرياته في غزة، ويتذكر قسوته في التحقيق، كما يتذكر صمود منصور الأسطوري. ويتساءل: هل يمكن أن يلين هذا المقاوم في لحظة ضعفه؟ هل سيدفعه المرض إلى البوح؟
تتم المواجهة داخل سيارة الإسعاف التي تقلّ منصور. يفاجأ الأخير بسؤال يوشع عن “الهليون”، ثم تكون الصدمة حين يعرف أنه ابنه. يحاول يوشع استدرار الحقيقة، لا بصفته ضابطًا بل ابنًا يبحث عن إجابة. غير أن منصور – رغم المرض – يحتفظ بذاكرة صلبة، ويستحضر وحشية “الهليون” وتسببه في قتل أحد المقاومين أثناء التحقيق. ويستحضر فطنة ذلك الفدائي الذي جاء واخبر منصور بقصة عملية الهيليون وكيف تمت تصفيته والاحداث المرافقة، وكيف ان هذا الفدائي رفض رفع تقرير لمرؤسيه حينما طلب منه ذلك بغية توثيق العملية خطيا وباقلام اصحابها، تذكر منصور ذلك الموقف جيدا فابتسم وادرك تماما مغزى اصراره على ان يخبره شمصيا وشفويا فقط بتفاصيل العملية.
ينفي منصور معرفته بحقيقة موت الهليون ص 331 و 332، لكن نفيه لم ينجح بازالة الشكوك الكامنة في صدر ابن الهليون، وعلى اثر فشل اللقاء. يزداد حنق يوشع ويغادر المعبر خائبًا، مثقلاً بالأسئلة. وفي لحظة انتقامية و ابتزازية، يُلغى تصريح علاج منصور ويُعاد صاحبنا إلى غزة، بعدما هدده يوشع بالموت إن لم يتعاون.
ومع زرع هذا الشك حيًّا في نفس يوشع يكسب منصور جولة اخرى في صراعه الطويل مع المرض ومع الاحتلال في آن. ص 333 حيث يقول:” اجتاحني شعور غامض بالراحة الشديدة، شعرت بنوبات الالم تتراجع تدريجيا،وراح ذهني يصفو ويتقد من جديد. شعرت بانني حر اكثر من اي وقت مضى! وداهتمني فكرة غريبة ، يجب كتابة رواية عن ذلك الهليون، سنكتبها كما نعرفها نحن، وليس كما يعرفونها هم!”.
المفارقة أن منصور، بعد عودته إلى غزة، شعر براحة داخلية غامضة، كأن الألم يتراجع. وبينما تبكي زوجته على ضياع فرصة العلاج، يُسرّ هو بفكرة كتابة رواية عن “الهليون” — لكن كما يعرفها الضحايا، لا كما ترويها المؤسسة الأمنية التي تباهت ببث تقرير تلفزيوني ص 331 ملفق يشوبه التزوير والتحريف والتخريف، في مقاربة مع ممارسات الاحتلال وسياساته العنصرية منذ النكبة وحتى ما قبلها والتي اعتمدت وقامت على الخرافات والاساطير القادمة من بطون الكتب في محاولة لتزوير الحقائق عبر ابتداع المزيد من الاكاذيب .
المنم ان صاحبنا ابو شاويش على مافي روايته من اسى واوجاع، ألا ان فيها نفسا ثوريا لا ينضب، وانفة فلسطينية عز نظيرها، واحسن صاحبنا صياغة نصه كجواهري بارع، واتضح اوج البراعة بثنائية السرطان والاحتلال والتي احسن توظيفها وتحميلها مكامن النص ومقاصده الاصيلة ذات الابعاد القيمية والاخلاقية والوطنية السامية.
رواية الهليون وثيقة وطنية وشهادة إنسانية كتبت بعذابات اهل غزة وسنوات عمرهم الذي ينزف اوجاعا كانت ولازالت تدمي القلوب…
والرواية على الرغم من اسمها وحبكتها التي تقوم على تتبع سيرة الجاسوس الاسرائيلي الملقب ب الهليون إلاّ انها توثق لتجارب ثورية ودروس وطنية جائت في مرحلة نضالية مهمة وفارقة بتاريخ الشعب الفلسطيني ونضالاته، وهي فترة الستينييات والسبعينيات؛ في الفترة التي تلت النكسة والتي تصور العدو واذنابه ان الامور دانت لهم بنصر ساحق ماحق، وان هذا الشعب لن تقوم له قائمة، فاذا به كحال اسطورته الابدية ” طائر الفينيق” ينهض من تحت الركام ويعلن انطلاقة كفاحه المسلح ايذانا ببدء ثورته المعاصرة…
العنوان [الهليون] كبؤرة دلالية وبوابة تأويل
لا يأتي عنوان «الهليون» بوصفه تسمية عرضية، بل كبؤرة رمزية تتكثف فيها ثيمات الرواية كلها: الاختراق، التخفي، الازدواجية، والاقتلاع. فالهليون نبات بريّ ينمو في الهامش، يتطلب عينًا خبيرة لاكتشافه، وهو بذلك يتحول إلى استعارة مركزية للجاسوس المزروع في نسيج المجتمع.
العنوان إذن لا يعرّف بشخصية، بل يضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام لغز: لماذا هذا النبات تحديدًا؟ هذا السؤال التأسيسي يخلق حالة من الترقب التأويلي قبل أن يبدأ السرد فعليًا، فتتحول القراءة إلى عملية بحث موازية لبحث الابن عن حقيقة أبيه.
فالعنوان إذن ليس رمزًا للشخصية فقط، بل لبنية الرواية ذاتها؛ فالسرد ينمو في طبقات، وكل طبقة تكشف جذورًا أعمق. وقد نجح العنوان في ان يصبح بؤرة السرد الذي تتوالد منه الاحداث، ومع طرحه كعنوان يبدأ التشويق منذ ان تقع عيني القاريء على العنوان وهو يزين صفحات الرواية وبحيث يشعل المخيال منذ اول الصفخات ويزداد التشويق مع كشف اسم الهليون ودلالاته الموزعة عبر صفحات الرواية.
ولا يقتصر التشويق على كشف لمعنى الاسم [الهليون] ودلالاته او كسف لغز أمني، او كشف طبيعة الارض التي ينبت فيها الهليون كنبتة او جاسوس بل يمتد باعماق اكثر تهدف الى كشف طبيعة النفس البشرية وحجم ما يختزن فيها من ماضي مكبوت، وهنا يمتد المجاز ليكشف عن معنى اخر للهليون من خلا إلى طرح سؤال وجودي مفاده: هل كان الاب أداة أم إنسانًا ممزقًا؟
وهنا يتحول البحث الأمني إلى تحقيق نفسي، ويتحول العنوان إلى استعارة للقلق الداخلي: الهليون نبات هشّ المظهر، لكنه قادر على شقّ التربة الصلبة. وكذلك الحقيقة في الرواية، تشقّ جدار الصمت رغم محاولات الطمس والتذويب.
ومما يحسب لصاحبنا ابو شاويش ان الرواية لا تقدم الجاسوس بصورة نمطية؛ بل تمنحه بعدًا إنسانيًا معقدًا.
وهنا يكمن أحد اسرار استراتيجية العنوان والتي تزيد من عناصر التشويق وتمنحها بعدا آخر: فالقارئ يخلص لسؤال اخر، هل يمكن استيعاب الجاسوس اي كان اسرائيلي كالهليون/او فلسطيني كصالح العاصي مثلا، وهذا السؤال الشائك لوحده يدخلنا في عوالم اضافية تصلح كمقدمة ومدخل لدراسات وابحاث مستفيضة.
ولا يفوتنا هنا الى نسبر مزيدا من اسرار العنوان الهليون، لنتعمق اكثر في معنى الدلالة والرمز، حيث الهليون كنبات يؤكل ويُقتلع، وهذا يرمز من جملة مايرمز في الرواية ومعانيها الدفينة في بطن الكاتب والتي يجتهد القاريء على استنباطها وحتى تأويلها يشير إلى هشاشة المشروع الاستخباراتي وحتمية انكشاف الخديعة والى قدرة المجتمع على لفظ الدخيل مهما طال الزمن.
وبخلاصة مكثفة يمكن القول إن اختيار “الهليون” كعنوان جعل الاضواء تتسلط على ذلك البطل الذي سريعا ما اعتلى خشبة المسرح وقدم اقتصادًا رمزيًا من خلال كلمة واحدة تختصر عالمًا كاملًا، علاوة على المفارقة الجمالية فائقة الدلالة للعنوان؛ وهو بذلك ينسجم مع تقاليد الرواية الفلسطينية التي توظف مفردات الطبيعة والمجتمع كأقنعة للمعنى السياسي كصورة مكثفة للنص الابداعي. وكلاهما يختزن في بطنه وبين ثناياه وقائع حفيقة المعنى تماما.
كما ويسجل لابو شاويش تسجيله الوقائع دون تزييف او تحريف، حيث يتناول في روايته العديد من القضايا الشائكة والمحظورة، حيث تناولها بعين الوطني الغيور على ثورته ، وتناوله لها جاء ليس بهدف التجريح او الانتقاص او النكوص عن فعل المقاومة او من باب اشاعة الياس والاحباط؛ بل من باب ان الثورة اذا ارادت ان تنتصر عليها ان تتعلم ممارسة النقد من داخلها وان تتعلم من اخطائها وان تستفيد من محصلة تجاربها… وهذا بالذات ما ذهب اليه الكاتب في صفحة 329 .
فطوبى وطيب لصاحبنا ابو شاويش وهو يحفر عميقا في صدى همساتنا المخنوقة، فيلتقط منها حروفا وكلمات مبعثرة، فيعيد صياغتها ليصنع منها نصا فائق الجودة رائع الجمال….






