هل يمكن للهوية أن تكون جوهرًا ثابتًا لا يطاله التبدّل، أم أنّها كيان حيّ يتشكّل على الدوام تحت ضغط السياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؟ وهل يُختزل الجندر، بوصفه أحد المكوّنات الجوهرية للهوية الإنسانية، في المحدِّد البيولوجي وحده، أم أنّه بناءٌ تأويليّ تُعيد الثقافة والمجتمع صياغته باستمرار؟
في زمن التداخل الحضاري، وتعدّد المرجعيات، وتكاثر الهويات الفرعية، لم يعد ممكنًا اختزال الهوية في تعريفٍ واحدٍ مغلق، ولا النظر إلى المرأة أو الرجل بوصفهما مجرّد معطًى بيولوجيّ محكوم بثنائية جامدة. من هنا تبرز ضرورة التفكير في الهوية باعتبارها مفهومًا مركّبًا، يتجاور فيه الثبات والتحوّل، وتحتلّ فيه مسألة الجندر موقعًا إشكاليًا بالغ الحساسية.
من أكثر الأخطاء شيوعًا التعامل مع الهوية على أنّها معطًى نهائي، يولد به الإنسان مكتملًا لا يقبل التغيّر. والحقيقة أنّ الهوية ليست جوهرًا ساكنًا، بل سردية متحرّكة، نكتبها ونُعيد كتابتها عبر التجربة والاحتكاك والتحوّل. وحتى العناصر التي تبدو أكثر ثباتًا، كالدين أو اللغة، لا تبقى بمنأى عن التغيّر؛ إذ إنّ فهمها وتأويلها يظلّان رهينَي السياق التاريخي والثقافي.
العادات والتقاليد والفنون وأنماط العلاقات الاجتماعية جميعها في حركة دائبة، وهذا ما دفع كثيرًا من علماء الاجتماع إلى توصيف الهوية بوصفها «تموضعًا مستمرًا» لا حالةً نهائية. فالهوية تتشكّل داخل سيرورات التاريخ، وتتأثر بتحوّلات السلطة والاقتصاد والمعرفة والجغرافيا الثقافية، ولا يمكن فهمها خارج هذه الشروط المركّبة.
في هذا الأفق، تبرز العلاقة بين الهوية والجندر بوصفها إحدى أكثر مناطق التوتّر بين الطبيعة والثقافة. فالجندر لا يقتصر على التحديد البيولوجي (ذكر/أنثى)، بل يتجاوز ذلك إلى الكيفية التي يدرك بها الإنسان ذاته، ويُعرّف نفسه، ويُمنَح موقعه داخل البنية الاجتماعية والثقافية. وتعرّف الموسوعة البريطانية الجندر بأنّه «شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، وقد لا يتطابق هذا الشعور مع خصائصه العضوية»، وهو تعريف ينسجم مع الطروحات المعاصرة التي ترى أنّ الهوية الجندرية ليست نتيجة حتمية للطبيعة وحدها، بل ثمرة تفاعل معقّد بين التنشئة الاجتماعية، والسياق الثقافي، والرغبة، والاختيار الفردي.
لا يعني هذا الطرح إلغاء البعد البيولوجي أو إنكاره، بل تحريره من القراءة الاختزالية، والتأكيد على أنّ الجنس لا يُفهَم بمعزل عن البُنى الاجتماعية التي تُعيد إنتاج معانيه وتوزّع أدواره. وفي هذا الإطار، ترى الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر أنّ «الهوية الجندرية تُنتَج عبر التكرار الاجتماعي للأدوار، وليست معطًى داخليًا يولد مع الإنسان». وهنا يتفجّر السؤال الجوهري: هل نكون ذكورًا وإناثًا لأننا وُلدنا كذلك فحسب، أم لأن المجتمع أعاد تعريف هذا الميلاد عبر منظومة من الأدوار والتوقّعات والمعايير؟
تقف المرأة في قلب هذا الجدل، معلّقة بين هوية مفروضة وهوية مكتسبة. فلا يزال الخطاب المعاصر يتأرجح في تعريفها بين أنوثة بيولوجية، وصورة نمطية عاطفية، وذاتٍ حرّة تسعى إلى إعادة تشكيل نفسها وفق خبرتها وتطلّعاتها. وفي هذا السياق، يقدّم المفكّر عبد الوهاب المسيري مقاربة متوازنة حين يدعو إلى معالجة قضية المرأة ضمن منظومة قيمية ومعرفية شاملة، بعيدًا عن التقليد الأعمى للنموذج الغربي أو الاجترار الحرفي للتراث، مؤكدًا أنّ «تحرير المرأة لا يتحقّق إلا بتحرير الإنسان كله، في إطار رؤية لا تفصل الجسد عن الروح، ولا الفرد عن المجتمع».
وعليه، لا يصحّ حصر المرأة في أدوار اجتماعية ضيّقة بذريعة طبيعتها العاطفية، كما لا يصحّ إنكار هذه العاطفة باسم مساواة شكلية تُفرغ الإنسان من تعقيده الوجودي. فالدراسات النفسية الحديثة تؤكد أنّ التفكير الناضج لا يتمّ بمعزل عن المشاعر، بل يقوم على توازن دقيق بين العقل والعاطفة. ومن ثمّ، فإنّ الاختلاف بين المرأة والرجل ليس نقصًا ولا ذريعة للإقصاء، بل عنصر إثراء إنساني ومعرفي.
ولا تتوقّف إشكالية الهوية عند بعدها الفردي أو الجندري، بل تمتدّ إلى بعدها الحضاري. فالهوية لا تُبنى في العزلة، بل تتشكّل عبر التفاعل مع الآخر. وكل حضارة حيّة هي تلك القادرة على الانفتاح دون ذوبان، وعلى التفاعل دون فقدان الذات. فالثابت في الهوية الحضارية قد يكون الدين واللغة، أمّا المتغيّر فهو الفهم، والتأويل، وطرائق تنزيل القيم في الزمان والمكان.
غير أنّ هذا التفاعل، على ما يحمله من غنى، قد يتحوّل إلى مصدر تهديد حين يترافق مع هيمنة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية، فتغدو الهويات – وطنية كانت أم دينية أم جندرية – عرضة للتشويش أو التوظيف الأيديولوجي. من هنا تبرز الحاجة إلى فهم ديناميكي للهوية بوصفها مشروعًا مفتوحًا لا قيدًا مغلقًا.
فالهوية ليست معطًى نهائيًا، بل بنية متحوّلة تتجدّد باستمرار. والتوازن بين الثبات والتغيّر، وبين الخصوصية والانفتاح، يظلّ الشرط الجوهري لفهم الذات والآخر. ليس من الحكمة إنكار البيولوجيا، ولا من العقل تأليهها؛ وليس من الصواب اختزال الإنسان في دور اجتماعي، ولا تذويبه في رغبات عابرة. إنما المطلوب وعيٌ نقديّ متجدّد بالهوية، يستند إلى قيم راسخة، ويستجيب لتحدّيات العصر، ويمنح الإنسان – رجلًا كان أم امرأة – الحقّ في أن يكون ذاته، دون قوالب جاهزة أو إقصاء نمطيّ.
وفي عالم لا يكفّ عن التغيّر، لا يكون الثبات في الجمود، بل في القدرة على التكيّف دون الذوبان، وعلى صون الجوهر مع الاعتراف بحقّ الاختلاف.








