يمرّ الشعب الفلسطيني اليوم بمرحلة مفصلية شديدة الخطورة، في ظل حرب مفتوحة تقودها إسرائيل بدعم أمريكي كامل، لا يقتصر على السلاح والمال، بل يمتد ليشمل التهديد العلني للعالم، وضرب القانون الدولي، وتحويل النظام الدولي إلى أداة طيّعة في خدمة الاحتلال. ما تمارسه الولايات المتحدة لم يعد انحيازًا سياسيًا، بل عربدة وقحة، تقوم على فرض منطق القوة، وإسكات أي صوت يدين الجرائم الإسرائيلية، حتى لو كان صادرًا عن الأمم المتحدة أو محاكم دولية.
الولايات المتحدة اليوم شريك مباشر في العدوان، تتحمل مسؤولية الدم الفلسطيني، وتشارك في تغطية جرائم الإبادة، وتمنح الاحتلال حصانة مطلقة للاستمرار في القتل والتدمير والتهجير. هذا السلوك لا يهدد فلسطين وحدها، بل يضع العالم على حافة انفجار شامل، لأن سياسة الكيل بمكيالين، واستخدام إسرائيل كقاعدة متقدمة لفرض الهيمنة، ينسف ما تبقى من استقرار دولي.
في هذا المناخ المسموم، يسعى الاحتلال بكل وضوح إلى توسيع دائرة النار، وجرّ الضفة الغربية إلى مواجهة شاملة، ليس بدافع الخوف، بل ضمن مخطط مدروس يهدف إلى تدمير ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني، وفتح الطريق أمام ضمّ فعلي، وتهجير صامت، وانهيار كامل للبنية الاجتماعية والاقتصادية في الضفة.
هنا تبرز أهمية الموقف الوطني المسؤول الذي تقوده حركة فتح، والتي تدرك أن الانجرار إلى حرب غير محسوبة النتائج ليس بطولة، بل مقامرة خطيرة يدفع ثمنها الشعب وحده. فتح لا تساوم على الحقوق، ولا تتنازل عن الثوابت، لكنها ترفض أن تكون أداة في مخطط الاحتلال، أو وقودًا لمعركة تخدم أهداف إسرائيل أكثر مما تخدم القضية الفلسطينية.
إن قرار عدم تفجير الضفة ليس ضعفًا، بل فعل وطني واعٍ، يهدف إلى حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الأرض، ومنع الاحتلال من تحقيق حلمه القديم بإشعال حرب داخلية شاملة تبرر له القتل الجماعي والتهجير الواسع. فالحفاظ على الضفة الغربية اليوم هو حفاظ على ما تبقى من فلسطين، وعلى إمكانية استمرار النضال السياسي والوطني، بدل تسليمها للفوضى والسلاح المنفلت.
المعركة مع الاحتلال ليست فقط معركة رصاص، بل معركة وعي وإرادة وصمود طويل. ومن يختزل المقاومة في فعل انفعالي غير محسوب، إنما يخدم رواية الاحتلال ويمنحه الذريعة التي يبحث عنها منذ سنوات. الحكمة هنا ليست تراجعًا، بل مقاومة من نوع آخر، تحبط المخطط بدل أن تنفذه بالنيابة عن العدو.
أمام هذا الواقع، فإن المطلوب فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا هو فضح الانحياز الأمريكي، ورفض سياسة التهديد والابتزاز، وإعادة الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني بوصفها قضية تحرر وطني، لا ملفًا أمنيًا. كما أن وحدة الصف الفلسطيني، والتمسك بالقرار الوطني المستقل، تبقى السلاح الأهم في مواجهة مرحلة عنوانها الفوضى المقصودة، والعدوان المفتوح.
إن شعبًا قدّم كل هذا الكم من الشهداء والأسرى والجرحى، لا يحتاج إلى دروس في التضحية، بل إلى قيادة تحمي تضحياته من الضياع، وتحول الغضب المشروع إلى قوة سياسية ووطنية منظمة، لا إلى فوضى تخدم الاحتلال وتمنحه ما عجز عن انتزاعه بالقوه وحدها







