جاري التحميل...

الوحدة بوصفها استعادةً للذات في الجذور العميقة للوعي العربي

 

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست الوحدة انصهارًا يلغي الاختلاف، ولا ذوبانًا في كيانٍ واحد يفقد فيه الفرد والجماعة ملامحهما، وإنما هي، في جوهرها الأعمق، لحظة استعادة للذات حين ترى امتدادها في الآخر، وتكتشف أن ما يبدو اختلافًا على سطح التاريخ قد يخفي في أعماقه وشائجَ أقدم وأعمق. فالوحدة الحقيقية لا تبدأ من إلغاء التعدد، بل من فهمه؛ ولا تنشأ من محو الفوارق، بل من اكتشاف الخيط الناظم الذي يصل بينها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الأمة لا بوصفها كتلةً صماء متجانسة، وإنما بوصفها كيانًا تاريخيًا مركبًا، تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل والهجرة والتبادل واللغة والثقافة والتجارة والحروب والهجرات والانتصارات والانكسارات. إنّها أشبه بطبقات جيولوجية متراكمة؛ لا تلغي الطبقة اللاحقة ما قبلها، بل تضيف إليها، وتحفظ في أعماقها آثار الأزمنة التي صنعت صورتها الراهنة.
ولعلّ ما يجعل الوحدة ممكنة هو هذا الوعي بأن الذات لا تُدرك حقيقتها في العزلة، بل في علاقتها بالآخر. وقد عبّر مارتن بوبر، في فلسفته الحوارية، عن هذه الفكرة حين جعل العلاقة بالآخر شرطًا لتكوّن الذات ووعيها بذاتها. فالإنسان لا يكتشف نفسه مكتملةً داخل حدود الأنا المغلقة، وإنما يكتشفها في فضاء العلاقة، حيث يصبح الآخر مرآةً تكشف ما كان مستترًا في الذات.

ومن هذا المنظور، تحتاج رؤيتنا إلى الهوية العربية إلى إعادة تفكير عميقة؛ فالهوية ليست بطاقةً جامدة، ولا تعريفًا عرقيًا مغلقًا، ولا حدودًا سياسية رسمتها خرائط حديثة، وإنما هي سيرورة تاريخية وثقافية متحركة، تشكلت من تداخل شعوب وحضارات ولغات وذاكرات. وما نسميه اليوم «الأمة العربية» لا يمكن فهمه خارج هذا العمق الحضاري المتعدد الذي أسهم في تكوينها.

لقد كانت الجغرافيا العربية، عبر التاريخ، فضاءً للتفاعل أكثر مما كانت جزرًا معزولة. ففي بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا والجزيرة العربية تداخلت الموجات البشرية واللغوية والثقافية، وتجاورت الحضارات وتفاعلت، وتبادلت التأثير في اللغة والعادات والمعتقدات والفنون وأنماط العيش. ومن ثمّ، فإن البحث في الجذور لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة بين الهويات أو إلى مفاضلة بين الشعوب، بل إلى محاولة لفهم كيف صنعت هذه الطبقات المتراكمة تاريخ المنطقة ووعيها.
إنّ الكنعانية والفينيقية والآرامية والسبئية والحميرية وغيرها من اللغات القديمة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها جزرًا منفصلة في بحر التاريخ، بل باعتبارها موضوعات للبحث في تاريخ اللغات والثقافات التي تعاقبت وتجاورت وتفاعلت في المنطقة. كما أن صلات العالم العربي بمصر القديمة وبحضارات شمال أفريقيا، وبالمكونات الأمازيغية وغيرها، تكشف عن فضاء حضاري بالغ التعقيد لا تختصره سردية واحدة ولا يمكن احتجازه في تعريف ضيق.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الهوية بوصفها انتماءً حيًا والهوية بوصفها قيدًا مغلقًا. فالهوية الحية لا تخاف من تعدد روافدها، لأن قوتها لا تأتي من النقاء المتوهم، وإنما من قدرتها على استيعاب تاريخها والتفاعل معه. وكلما ازداد الإنسان معرفةً بجذوره، أصبح أكثر قدرةً على فهم اختلافاته، وأقل حاجةً إلى تحويل الآخر إلى خصمٍ أو نقيض.
ولذلك فإن أزمة الوحدة العربية ليست سياسية فحسب، ولا يمكن اختزالها في غياب مشروع سياسي جامع؛ إنها، في جانب عميق منها، أزمة وعي وذاكرة وتربية. فالأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة الثقافية ووسائل الإعلام لا تؤدي وظيفة نقل المعلومات فقط، وإنما تشارك في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وإذا كانت هذه المؤسسات تكرّس التجزئة في الوعي، فإن الحدود السياسية ستتحول مع الزمن إلى حدود نفسية وثقافية أكثر صلابة من الحدود الجغرافية نفسها.

لقد أدرك ابن خلدون أهمية الروابط الجامعة في قيام العمران واستمراره، وجعل العصبية، بمعناها التاريخي والاجتماعي، أحد عناصر تماسك الجماعة وقدرتها على الفعل. غير أن المطلوب اليوم ليس استعادة العصبية بصورتها القديمة، بل البحث عن رابطة حديثة تقوم على المواطنة والوعي المشترك والذاكرة الثقافية والمصلحة الإنسانية، رابطة لا تلغي الخصوصيات المحلية، ولا تجعل الانتماء القومي نقيضًا للانتماءات الأخرى.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة ليس أن تختلف، وإنما أن تفقد القدرة على فهم اختلافها داخل سياقها التاريخي. فالاختلاف حين يكون واعيًا يتحول إلى ثراء، أما حين ينفصل عن الذاكرة فيتحول إلى قطيعة. وحين تنسى الجماعة أصول الحوار والتفاعل التي صنعت تاريخها، يصبح كل جزء منها أسيرًا لسردية جزئية يظن أنها الحقيقة الكاملة.
ومن هنا يصبح التاريخ أكثر من سجل للأحداث الماضية؛ إنه أحد الشروط الأساسية لبناء الحاضر. فالذاكرة التي تفقد صلتها بالماضي تفقد جزءًا من قدرتها على تفسير نفسها. وقد جعل بول ريكور من الذاكرة والنسيان والتذكر قضايا مركزية في فهم الإنسان والتاريخ، لأن علاقتنا بالماضي تؤثر بصورة مباشرة في الطريقة التي نبني بها حاضرنا ونفهم بها ذواتنا.

غير أن استعادة الذاكرة لا تعني تحويل الماضي إلى صنم، ولا اجترار أمجاده، ولا البحث عن هوية مثالية لم توجد يومًا بهذه الصورة الخالصة. إن استعادة الذاكرة الحقيقية تعني إخضاع الماضي للفهم والنقد، واستخلاص عناصر القوة منه، ومراجعة عناصر الانقسام التي أسهمت في إضعاف المجتمعات. فالتاريخ الذي لا يتحول إلى وعي يتحول إلى متحف، والذاكرة التي لا تنتج معرفةً تتحول إلى حنين.
وفي هذا السياق تأتي أهمية مشروع نقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري؛ إذ إن استئناف الفعل الحضاري لا يبدأ من تمجيد التراث، وإنما من مساءلته وفهم بنياته وآليات اشتغاله، والتمييز بين ما يمكن أن يتحول إلى طاقة للمستقبل وما ينبغي أن يبقى موضوعًا للنقد التاريخي. فالأمة التي تريد أن تستعيد قدرتها على الفعل لا يكفيها أن تعرف ماذا كانت؛ عليها أن تسأل أيضًا: لماذا أصبحت ما هي عليه؟ وإلى أين تريد أن تذهب؟

إنّ الوحدة، بهذا المعنى، ليست شعارًا سياسيًا معلّقًا فوق الجماهير، وإنما تبدأ من الإنسان نفسه: من الطفل الذي يتعلم في مدرسته أن اختلاف المدن والأقطار لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية؛ ومن الطالب الذي يقرأ تاريخ المنطقة بوصفه تاريخ تفاعلات لا تاريخ جزر منفصلة؛ ومن الإعلام الذي يفتح النوافذ بدل أن يبني الجدران؛ ومن الثقافة التي تجعل المعرفة وسيلةً للتقارب لا أداةً لإنتاج الكراهية.

ولعلّ أجمل ما في الوحدة أن الإنسان لا يعود مضطرًا إلى البحث عن ذاته في مرآة واحدة. فهو يجد شيئًا من ذاته في دمشق وبغداد والقاهرة والجزائر وتونس وبيروت والقدس وغيرها من المدن التي حملت، كل واحدة منها، جزءًا من الذاكرة العربية وذاكرة المنطقة الإنسانية. ليست هذه المدن نسخًا متطابقة، ولا ينبغي لها أن تكون؛ فقيمتها في اختلافها، وفي قدرتها على أن تلتقي داخل فضاء ثقافي أوسع.
إنّ الوحدة التي تستحق أن تُبنى هي التي تجعل التعدد طريقًا إلى التعارف، والتعارف طريقًا إلى الفهم، والفهم طريقًا إلى التضامن. أما الوحدة التي تقوم على إلغاء الآخر، فهي ليست وحدةً وإنما صورة أخرى من صور الهيمنة.

لهذا فإن إعادة جمع الشتات العربي لا ينبغي أن تبدأ من الخرائط، بل من الوعي؛ ولا من الشعارات، بل من التربية؛ ولا من استحضار الماضي بوصفه مجدًا مكتملًا، بل بوصفه مادةً حية للنقد وإعادة البناء. فحين يعرف الإنسان جذوره، لا يصبح أسيرًا لها، بل يصبح أكثر قدرةً على تجاوزها نحو المستقبل.
إنّ الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على تخيل مستقبلها، والأمة التي تعرف جذورها تستطيع أن تعيد تعريف نفسها دون أن تنكر تاريخها. والوحدة، في نهاية المطاف، ليست أن نكون نسخةً واحدة من أنفسنا، وإنما أن نمتلك القدرة على رؤية ذواتنا المتعددة في مرآة واحدة؛ أن نختلف دون أن نتشظى، وأن نتعدد دون أن نتنكر للرابطة التي تجمعنا، وأن نكتشف في الآخر شيئًا من صورتنا، وفي ذواتنا مساحةً للآخر.

فالوحدة تبدأ، قبل السياسة، من إعادة بناء الإنسان الذي يعرف أنه ليس جزيرة؛ وأن وراء اختلاف اللهجات والمدن والبيئات والتجارب ذاكرةً طويلة من التفاعل؛ وأن المستقبل لا يُبنى بتقديس الحدود النفسية التي صنعتها التجزئة، وإنما بفتح المعابر بين الذاكرة والعقل، وبين الخصوصية والمشترك، وبين الماضي والمستقبل.
وحين تتحول هذه الفكرة من معرفة نخبوية إلى وعي تربوي وثقافي يومي، يصبح الحديث عن الوحدة أقلَّ شاعريةً وأكثر واقعية؛ لأن الوحدة عندئذ لن تكون حلمًا يُرفع في الخطب، بل وعيًا يسكن الإنسان، وسلوكًا يترجم نفسه في علاقته بأخيه، وذاكرةً مشتركة تعرف كيف تصنع من التعدد قوة، ومن الاختلاف ثراء، ومن الجذور العميقة شجرةً تتسع للجميع.