بقلم: شادي عياد
اكتشفنا متأخرين أن مشكلتنا ليست أننا عاجزون عن حل أزماتنا…
بل أننا أصبحنا بارعين جدًا في تبرير بقائها.
وهذا إنجاز لا يجوز الاستهانة به.
لكل أزمة عندنا خبراء، ليسوا خبراء في حلها، بل في شرح لماذا يستحيل حلها.
الجاهل قد يخطئ وينتهي الأمر، أما صاحب التبرير فيستطيع أن يجعل العجز واقعية، والتأخير ضرورة، والعبث «تعقيدًا موضوعيًا».
ثم ينظر إليك بثقة ويقول:
«الموضوع أكبر مما تتصور.»
وهذه العبارة وحدها تكفي أحيانًا لإعدام أي محاولة للإصلاح.
المضحك أن بعض من يعجز عن ترتيب ساعة في يومه، يتحول فجأة إلى خبير في ترتيب الأولويات الوطنية.
والذي لم يحل مشكلة صغيرة، يشرح لك «المشهد المركب».
يا رجل… قل فقط: أخطأت.
اعتذر.
أصلح.
غادر.
وانتهى الأمر.
لماذا يحتاج الخطأ عندنا إلى لجان واجتماعات وبيانات حتى تصل الحقيقة أخيرًا، وقد تكون الحقيقة نفسها قد تقاعدت؟
ثم هناك من يظن أن الناس لا تفهم.
وهذه أكثر كذبة مضحكة.
الناس تفهم.
تعرف من يعمل، ومن يمثل أنه يعمل.
تعرف من جاء وفي رأسه فكرة، ومن جاء وفي رأسه كرسي.
وتعرف من يتعب إذا تعطلت مصلحة الناس، ومن يتعب فقط إذا تعطلت مصلحته.
لكن الناس تسكت أحيانًا.
وليس كل صمت خوفًا.
بعض الصمت آخر ما تبقى من الاحترام.
والمنصب في النهاية، لا يصنع الإنسان.
المنصب يفضحه.
يعطي الصغير مساحة، فيرفع صوته بدل أن يرفع مستواه.
ويعطي الانتهازي فرصة، فيتعامل مع الوطن كأنه صفقة.
أما الرجل الحقيقي، فلا يحتاج إلى منصب كي يكون محترمًا. كان محترمًا قبله، وسيبقى بعده.
المشكلة تبدأ حين يصبح الموقع غاية واللقب هوية والصورة إنجازًا والتصفيق دليل نجاح.
عندها يتحول الوطن بهدوء من قضية إلى ديكور.
وهذا أخطر من الفساد نفسه.
لأن الفساد قد يُكتشف، أما الاعتياد على الرداءة فيجعل الرداءة تبدو طبيعية.
وهنا يجب أن نغضب.
لا لأننا نكره أحدًا، بل لأننا نرفض أن تصبح الرداءة قدرًا، وأن يصبح الشريف ساذجًا، والصريح متهورًا، والمنافق «ذكيًا سياسيًا».
لا.
هذه ليست حكمة.
هذا انهيار في ميزان الأشياء.
وأخطر ما في انهيار الميزان أنك، بعد فترة، لا تعود تعرف أنك تمشي مائلًا.
حتى يأتي طفل ويسألك:
«لماذا يحدث هذا؟»
فتكتشف أنك تملك عشرات التفسيرات…
ولا تملك جوابًا واحدًا محترمًا.
وهنا تكون الكارثة.
لذلك لا نحتاج مزيدًا من التجميل.
نحتاج فقط أن تعود الأشياء إلى أسمائها:
الخطأ خطأ.
والفشل فشل.
والحق حق.
والمنصب مؤقت.
والإنسان مهما علا، إنسان.
أما الوطن…
فليس تجربة لأحد، ولا ملكية خاصة ولا جائزة نهاية الخدمة.
وإن لم نفهم ذلك الآن، فسيأتي يوم نفهمه متأخرين.
وعندها لن تكون المشكلة أننا أخطأنا…
بل أننا أصبحنا بارعين جدًا في اختراع الأعذار حتى نسينا أن الخطأ كان خطأنا.
بقلم: شادي عياد