الوعي وطمأنينة القطيع: الذات المتسائلة بين وهم «النحن» وفزع «الهُم»:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في البدء، لا يولد الوعي بوصفه طمأنينة، بل بوصفه شرخًا. إنّه ذلك القلق الخفي الذي يتسرّب إلى الذات حين تكتشف أنّ العالم لا يُقال مرة واحدة، وأنّ المعنى لا يُمنَح جاهزًا، بل يُنتَزع انتزاعاً من صمت الأشياء. ومن هنا يبدأ صراع الوعي والاطمئنان الزائف: صراع السؤال ضد الإجابة الجاهزة، واليقظة ضد السكون، والذات المتسائلة ضد الجماعة التي وجدت في التكرار ملاذاً وفي الاتباع خلاصاً مؤقتاً.
الاطمئنان الزائف ليس راحة حقيقية، بل تخديرٌ ناعم للوعي. إنّه الحالة التي يتنازل فيها الفرد عن حقّه في الشك مقابل شعور بالانتماء، فيذوب في “النحن” بوصفها كتلة دافئة، لكنها عمياء. “النحن” هنا لا تُبنى على مشاركة واعية، بل على تطابق قسري في اللغة والموقف والذاكرة. إنها جماعة تُطالب أبناءها بالسكينة لا بالفهم، وبالولاء لا بالبصيرة. في هذا السياق، يصبح الاطمئنان قيمة أخلاقية، بينما يُدان القلق بوصفه خروجاً، ويُنظر إلى السؤال باعتباره تهديداً للنظام الرمزي الذي تستقر عليه الجماعة.
في المقابل، يقف الوعي بوصفه تجربة فردية موجعة. الذات المتسائلة لا تملك امتياز الراحة، لأنها ترى ما لا يُراد له أن يُرى. إنها تدرك هشاشة المسلّمات، وتنتبه إلى الطابع المصنوع لكثير من الحقائق الاجتماعية. من هنا، لا يكون وعيها فعلَ تعالٍ على الجماعة، بل انكشافاً على تعقيدها. غير أن هذا الانكشاف يضعها في مواجهة مع “الهُم”؛ ذلك الآخر الجمعي الذي يتحوّل، في المخيال الاجتماعي، إلى كيان متجانس، صلب، لا يحتمل التصدّع. “الهُم” ليسوا بالضرورة غرباء، بل قد يكونون الامتداد الأوسع لـ“النحن” حين تُغلق على نفسها وتفقد قدرتها على الحوار.
نفسيًا، يعيش الفرد المتسائل انقسامًا داخليًا حادًا. فهو ممزّق بين حاجته إلى الانتماء، بوصفه كائنًا اجتماعيًا، وحاجته إلى الصدق مع ذاته، بوصفه كائنًا واعيًا. هذا الانقسام يولّد شعورًا بالعزلة، لا لأن الذات ترفض الجماعة، بل لأن الجماعة ترفض هشاشتها. فالجماعات، حين تخاف، تبحث عن اليقين لا عن الحقيقة، وعن الطمأنينة لا عن المعنى. وهكذا يتحوّل الوعي إلى عبء نفسي، ويُدفع الفرد إلى الاختيار القاسي بين راحة الانتماء وصعوبة الحرية.
اجتماعيًا، يتغذّى الاطمئنان الزائف على آليات التكرار والتماثل. اللغة تُعاد حتى تفقد قدرتها على السؤال، والرموز تُقدَّس حتى تتحوّل إلى أصنام فكرية، والذاكرة الجماعية تُنقّى من تناقضاتها لتبدو سردية واحدة، متماسكة، ومطمئنة. في هذا المناخ، يُعاد إنتاج “النحن” بوصفها هوية مغلقة، ويُصاغ “الهُم” كتهديد دائم، لا لأنهم خطر حقيقي، بل لأن وجودهم يذكّر الجماعة بإمكانية الاختلاف. الخوف من الآخر، في جوهره، هو خوف من الذات حين تفقد يقينها.
غير أن الوعي، على الرغم من عزلته، يحمل إمكانية الخلاص الرمزي. فهو لا يسعى إلى هدم الجماعة، بل إلى إعادة تأسيسها على أساس الاعتراف بالاختلاف. الذات المتسائلة لا تريد أن تنفصل عن “النحن”، بل أن تُحرّرها من وهم الاكتمال. إنها تدرك أن الجماعة التي لا تسمح بالسؤال تتحوّل إلى قطيع، وأن الطمأنينة التي تُقصي القلق إنما تُقصي الحياة ذاتها. فالقلق، في هذا السياق، ليس مرضًا، بل علامة صحة فكرية، ودليل على أن الوعي لم يستقل بعدُ من مسؤوليته.
في المحصلة، ليس الصراع بين الوعي والاطمئنان الزائف صراعًا بين فرد وجماعة، بل بين نمطين من الوجود: وجودٍ يكتفي بالسكينة ولو كانت مصطنعة، ووجودٍ يغامر بالقلق طلبًا لمعنى أصدق. وبين “النحن” المغلقة و“الهُم” المُقصاة، تقف الذات المتسائلة كجسر هشّ، لكنها ضرورية، تذكّرنا بأن الإنسان لا يُقاس بمدى اندماجه في الجماعة، بل بقدرته على مساءلتها دون أن يفقد إنسانيته.