حين أعلن دونالد ترامب تشكيل ما سُمّي “مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة، لم يكن ذلك تفصيلًا تقنيًا في ملف حرب، بل لحظة سياسية كاشفة ومهمة لتحوّل أعمق في طريقة تفكير واشنطن بالعالم وبنزاعاته. الاسم يوحي بالتهدئة، لكن البنية توحي بالحكم، واللغة تتحدث عن السلام فيما المنطق أقرب إلى إعادة إنتاج فكرة الانتداب، لا بوصفها مفهومًا تاريخيًا بل كنظام معاصر منزوع التسمية.
فلسنا أمام وساطة دولية ولا إطار أممي تعددي، بل أمام مجلس ضيق التكوين يقوده الرئيس الأميركي مباشرة ويتحكم به مقربوه وتُمنح له صلاحيات سياسية وأمنية وتنفيذية، مع جهاز محلي فلسطيني مُدار من فوق، وقوة دولية على الأرض. ويمكن توصيف هذا الإطار بوصفه انتدابًا معاصرًا لا من خلال التسمية بل عبر البنية:فالانتداب، في علم السياسة والقانون الدولي، يقوم حين تجتمع ثلاثة عناصر: سلطة سيادية خارجية تحتكر القرار وتضع الإطار العام، وجهاز محلي منزوع السيادة يقتصر دوره على الإدارة التقنية، وقوة تنفيذية خارجية تفرض الترتيبات على الأرض. وهذه العناصر تظهر هنا مجتمعة بوضوح عبر مجلس دولي–أميركي يوجّه ويقرّر، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية تُدار من فوق بلا صلاحيات سيادية، وقوة تثبيت دولية تتولى الشق الأمني، ويتعزّز ذلك بغطاء قرار أممي يمنح تفويضًا لإدارة مرحلة انتقالية( خطة ترامب في غزة )، ما يحوّل الوصاية من إجراء سياسي ظرفي إلى نظام مُشرعن، ولو خارج الفلسفة التقليدية لحق تقرير المصير.
ولا يمكن فصل هذا التوجّه عن عقلية ترامب السياسية الأوسع:فهو يتصرّف اليوم لا كرئيس للولايات المتحدة فقط، بل كمن يمدّ ولايته الواقعية ورئاسته الفعلية على مساحات ودول، من فنزويلا إلى غزة، مع تلميحات متكررة إلى توسيع هذا النمط لاحقًا ليشمل كوبا أو المكسيك أو غرينلاند، وربما إيران، في تصور يرى الجغرافيا السياسية ساحات ضمّ وإدارة لا دولًا ذات سيادة كاملة. هنا تتحول القوة من أداة ضغط إلى فكرة حاكمة، وتغدو الفكرة برنامجًا قابلًا للتعميم.
الخطورة لا تكمن في غزة وحدها، بل في ما يتجاوزها. فالتسريبات عن نية توسيع صلاحيات”مجلس السلام” برئاسة ترامب ليعمل لاحقًا في نزاعات أخرى ، حول العالم ،تكشف أننا أمام تصور أميركي جديد للشرعية الدولية: جسم صغير ناجع ، مختار، يقرّر ويدير ويفرض، في مقابل تراجع دور الأمم المتحدة بوصفها إطارًا جامعًا. لا نكون أمام إصلاح للنظام الدولي، بل أمام تجاوزه واستبداله بنسخة مصغّرة تُدار من مركز واحد:أمم متحدة جديدة بلا ميثاق جامع، وبلا توازنات، وبلا مساواة بين الدول.
في هذا السياق يصبح الحديث عن “قانون ترامب” بدل القانون الدولي توصيفًا دقيقًا. فالقانون الدولي، مهما اعتراه من ضعف وفشل ، يقوم على فكرة أن الشرعية تُنتج جماعيًا. أما النموذج المطروح اليوم فيحوّل القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى مصدر الشرعية ذاته: ما يُقرَّر في واشنطن/ ترامب يصبح هو القانون- في واقع الأمر ذلك يترجم موازين القوة داخل مجلس الامن حيث تتحكم أميركياً أصلا -وما يمكن فرضه يصبح هو الممكن سياسيًا، وما يعارض ذلك يُصنَّف عقبة في وجه الاستقرار.
أما إسرائيل، فتعاطيها مع هذا النموذج محكوم بازدواجية واضحة. من جهة، قد ترى في تدويل غزة مخرجًا من عبء أمني وإنساني ثقيل. ومن جهة أخرى، يلازمها قلق بنيوي من السابقة نفسها، لأن ما يُقبل في غزة قد يُطرح غدًا في الضفة الغربية. وهناك تختلف الحسابات جذريًا: الضفة ليست ملف إعادة إعمار، بل مشروع سيادة واستيطان وخرائط ومحاولة مستمرة لمنع قيام دولة فلسطينية من داخل الأرض. أي وصاية دولية هناك تعني فتح مسار لا تريده إسرائيل ولا تستطيع التحكم بنهاياته.
وفي قلب هذا كله يقف الفلسطينيون مرة أخرى خارج مركز القرار، كما دائما، يقرر الآخرون وهم يدفعون كامل الثمن.
يُستدعون كإدارة لا كصاحب حق، وكمنفّذين لا كمصدر للشرعية. قد ينجح هذا النموذج في فرض هدوء مؤقت ونوع من اعادة الإعمار وهذا ما يريده الناس ،بالطبع ،أو في خفض كلفة الصراع عن أطراف دولية وإقليمية، لكنه لا يقدّم حلًا سياسيًا بقدر ما يؤجل الصراع داخل قالب إداري جديد.
في النهاية، ليست القضية مجلسًا ولا أسماء ولا آليات، بل سؤال النظام الدولي نفسه: هل نشهد أفول مرحلة كانت فيها الأمم المتحدة، بكل عيوبها، مرجعية نهائية؟ وهل ندخل عالمًا تُدار فيه النزاعات عبر مجالس مفصّلة على قياس القوة لا على أساس القانون؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن “مجلس السلام” في غزة ليس خاتمة صراع، بل افتتاح فصل جديد عنوانه إدارة العالم… بلا قانون بل بمنطق القوة لا قوة المنطق .. فالصراع يحتاج حلاًّ لا ادارة وحلّه معروف الحدود ..الرابع من حزيران ٦٧.






