يعتمر قبعة الصوف،ويضع كعازه بين قدميّة ويحمل مذياعه الصغير قرب أذنه اليمنى ويتكأ على جدار الساحة الرئيسة في المخيّم…ذلك هو السبعيني “أبو حسن” أحد البقية الباقية ممن لجأوا صغارا من “أم الزينات” قضاء حيفا،ومنذ نشأ وشب على الحياة القاسية،تعود متابعة الاخبار السياسية أملا في تحقيق العودة سلما أو حربا… مررتُ من جانبه وطرحت عليه السلام بصوت مرتفع،فسَمْعُهُ يتراجع عاما بعد عام …رأني وإبتسم إبتسامة شقت شعر وجهه الابيض الكثيف الخشن، قلت له :-
“كيف شايفها ؟؟”
رد قائلا :- “عالفاضي،كله كذب بكذب،راحت علينا”
شدني جوابه الغير معتاد،والبعيد عن تفاؤله الدائم،فإنعطفت نحوه،فأقفل المذياع بعد أن أبعده عن رأسه…فرحب وصافحني بيده الضعيفة المرتجفة
قلت له :- وين تفاؤلك عمي أبو حسن؟
تنهد من جوفه تنهيدة حارقة وقال:- “آخ يا عمي آخ .. والله إمبينه مسكرة لا سما ولا ارض،والمشكلة انو إحنا تروضنا عالكذب.. وصرنا نصدق… إحنا اتخدرنا عالبهدلة والضياع والنسيان…وما ظل أمل لا بنصر ولا برجعة…راح نموت هون تحت علم الوكالة وندفن بالجميلة غُربا…”
قلت له وانا أبلع ريقي مواسيا :- “خلي إيمانك بالله كبير…شويت أسابيع بصطلحوا… شويت اسابيع بنتوحد… وبعدين شويّ شويّ بتنحل…”
قال :- ” من ما اطلعنا من البلاد وهمي يقولوا هالاسبوعين… وبعدين حتى لو اتوحدوا جماعتنا بالك النصر بيجي ثاني يوم…أبدا…إحنا بنكذب على حالنا،والعرب بالدرك الاسفل من الخراب والهوان…والعالم منافق ما بعرف الا القوة .. .كون قوي بينتبهلك.. ظلك ضعيف بيدوسك.. والاهم قيادتنا مش قابله تفهم هذا الحكي… بدهم يجربوا فينا كمان سبعين سنه مجلس الهوى وقرارات الزفت…”
قلت له :- “طيب إحنا لوين رايحين؟”
قال :- “لجهنم”
ضحكت وقلت له :- ” يعني ما عدت تتأمل ترجع على أم الزينات؟ ”
طأطا رأسه قليلا ثم رفعه والدمعة في عينيه وقال :- “مين إلى يرجعني ساعة وأموت وأنا خدام كندرته… بس اشرب من عين البلد.. وأسبل عيني….بس هيك إلي اتمناه من ربي”
رتبت على كتفه قلت له :- ” راح تعود بإذن الله عمي ابو حسن رب العزة بيقول بكتابه المجيد ” وإن تولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” وبيقول كمان “وليتبروا ما علوا تتبرا” وعد الله حتمي… راح نرجع…وتكون فرحتنا بالعودة بتساوي ألم ووجع السبعين سنه واكثر…يمكن نفقد شهدا من فرحة عودتنا اكثر ما فقدنا من شهدا الي استشهدوا بحياتنا ”
فقال :- “علواه… علواه يا عمي…كل أجيالي والي مثلي في المخيّم ماتوا وانقرضوا عالساكت.. بس اصرار الاجيال على العودة بالرغم إنهم ما عاشوا بهذيك البلاد بواسينا وبرفع معنوياتنا…”
صافحته وإبتسمت له إبتسامة حزينه ونهضت أكمل سيري.
في الصباح الباكر “خشخشت” سماعة المسجد،وانطلق صوت مؤذنها يعني الحاج أبو حسن … فأجهشت بالبكاء وقلت اليوم سندفن حلمـــــــاً آخــــــــــر.







