بغض النظر عن وقف اطلاق النار،والشروع بتفاوض سواء كان مباشر او غير مباشر الذي سينطلق الجمعة بين جمهورية ايران الإسلامية والولايات المتحدة الامريكية في العاصمة الباكستانية على طاولة مثقلة بالشروط الإيرانية العشر على طبق آخر من رفض الشروط الامريكية الخمسة عشر التي اعتبرتها ايران أماني،وبغض النظر عن نتائج هذه المفاوضات في حال نجاحها او فشلها،فإن الفصل الثاني من المواجهة في حرب قاسية وعدوان فاشل قامت به الولايات المتحدة الامريكية و” إسرائيل ” على ايران،فإن هذا العدوان وهذه الحرب قد خلقت حقائق كبيرة على ارض الواقع،تعتبر كاسرة ومعاكسة للفكرة والهدف الاشمل الذي وضعته كل من أمريكا و” إسرائيل ” وهو خلق شرق أوسط جديد،فما حدث خلال الأربعين يوما مدة زمن المواجهة الفائتة والتي تعتبر الفصل الثاني من حرب قدرها ان تتواصل عبر فصول ربما،كان الفصل الأول منها هو حرب الاثنى عشر يوما في جزيران الماضي،فإن ايران استطاعت من خلال أدائها العليّ في ميدان المواجهة أن ترسم وتطلق مرحلة جديدة،تؤسس وتجسد لشرق أوسط جديد معاكس وكاسر للشرق الذي تهدف كل من ” إسرائيل ” وامريكا خلقه،وهو معاكس له بكل المفاهيم والقيم،وهذا نابع من التضاد الذي يحمله من كل طرف للطرف الآخر،وهذا ليس وصف رومانسي شاعري بعيدا عن الواقع،بل هو نتيجة ممكن استشرف ملامحها من خلال قراءة هادئة لمستقبل المنطقة،فالمعتدي الأمريكي الذي فاق عدوانه على ضرب اهداف فاقت الاثني عشر الف هدفا/ وخمسة الاف هدف اعتدت عليه اسرائيل في ايران،مستخدمين القوة الغاشمة في رسالة لما هو ابعد من ايران واقصد بذلك الصين وروسيا،عرى ترامب نفسه امام اعداءه ومخالفيه الدوليين، اليوم ومع ما جرى على لسانه من رعونة واستعراض وتناقض واستخفاف واهانة وعبارات نابية ناتجة عن فقدانه السيطرة على عباراته بفعل الصمود والتصدي الإيراني،هذا ترامب سقط في امتحان الهيبة لأكبر دولة في العالم عسكريا واقتصاديا وسياسا،فباعتقادي موقف الصين بخصوص تايوان اصبح الان اكثر جرأة،وموقف روسيا في حربها على أوكرانيا اصبح اكثر تشددا،خاصة بعد ظهور التصدع في حلف الأطلسي وامريكا،والمناكفة والخلاف بين اكثر الدول الاوربية والولايات المتحدة الامريكية ورئيسها ترامب،حتى الشركاء والحلفاء التقليدين لأمريكا بريطانيا وكوريا الجنوبية واليابان والذين لهم مصالح ملحة في مواجهة تهديدات الصين وروسيا وكرويا الشمالية،رفضوا مساعدة ترامب الحرب وحتى في مساعدته في فتح مضيق هرمز،إضافة الى ضرب الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع مشتقات البترول والغاز والطاقة في داخل الولايات المتحدة،بالإضافة لاكتشاف دول الخليج سواء المنغمسة لاذنيها في التطبيع الابراهيمي او غيرها أن أمريكا ليست هي الحائط القوي التي ممكن ان تطمئن لتحالفك معها،وترامب لم يتمكن من حماية والدفاع عن معسكراته ومصالح أمريكا في هذه الدول ،بل فر ضباطه وجنوده الى الفنادق الزجاجية بحثا عن الحماية والتي ضربت أيضا،وبالنتجية أمريكا خسرت خسارات لا يمكن احصائها واحصاء تداعياتها لزمن طويل،اما ” إسرائيل “، فحدث ولا حرج،ارادت من مشاركة الولايات المتحدة معها في شن العدوان على ايران كسر مفهوم وقناعة سكنت في قراراتها كثيرا وهي انها لا تستطيع لوحدها شن حرب على ايران،ورفعت شعارات ومطالب كثيرة،وبعد أربعين يوما من المواجهة الشرسة، لم تحصل على أيّ من مطالبها،فلا النظام تغيير او سقط،ولا قدرات ايران النووية والصاروخية توقفت او تم التخلي عنها،ولا العلاقة مع الحلفاء تراجعت،بل على العكس توثق وبقوة واصبح في حالة جديدة متقدمة،فالدعم للحلفاء باق وهذا جاء على لسان المرشد السيد مجتبى خامنئي في رسالة للشيخ نعيم قاسم امين عام حزب الله،وكذلك ولأول مرة تشترط ايران وقف العدوان على كافة الجبهات ضمن وقف النار المنوط بمحادثات الباكستان،وبالتالي خسارة ” إسرائيل ” في فشلها في تحقيق ايّ من أهدافها،إضافة لفشل اهداف الولايات المتحدة معها،فإن صداه يُرى ويُشاهد في الهجمات الوحشية على لبنان وبهذه القساوة،وكذلك الصدمة التي يعيشها ” الاسرائيلون ” سياسيين وعسكريين وجمهوربعد اعلان وقف النار من قبل ترامب دون التنسيق وإبلاغ نتنياهو،وقوله انه يتحدث باسم الدول في المنطقة.
في المقابل،كل هذا الإخفاقات الامريكية ” الإسرائيلية ” ستوجد مساحات فراغ وانكماش،حتما ستقوم ايران بملئها،فدول الخليج التي ستصحوا على حقيقة هذا الحليف الذي لم يحترم الدفاع عنها ،وأيضا تجاوزها في السياسة والتفاوض وإعلان وقف النار دون ان يقدر لهم وزنا،ان افاقت من هذه الحرب،فإنها ستخرج بمفاهيم ورؤى جديدة تعيد من خلالها موقعها القادم،واقصر هذه الطرق ستكون لاجراء تفاهمات مع ايران التي تعتبر الشريكة الجو استراتيجية دائما وثابتة لا يمكن انكارها،او على الأقل تعمل على اجراء توازن بين الغرب والشرق،وهذا اقل الايمان.
والدول الكبرى سواء المناوئة لسياسات الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا،وحتى الدول الغربية التي لا تتماشى مع سياسة ترامب مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا واسبانيا ستتقدم اكثر من المنطقة، وستكون اكثر تفهما لوضع ايران ومطالبها ولو بشكل متفاوت،فالصين بعد الذي حدث ستعزز علاقاتها مع ايران سواء كانت السياسية عبر تكتل مناهض لسياسة أمريكا او عسكريا من خلال ترميم القدرات الايرانية العسكرية،والاقتصادية في التعجيل في الاتفاق الاقتصادي طويل الأمد بين البلدين والذي قدرت قيمته بنحو نصف ترليون دولار،والذي سيستمر عقودا طويلة.
اما الدول الأوروبية والتي ساهمت سابقا في المشاركة في سياسة الحصار المفروضة من قبل أمريكا ضد ايران،ستكون بعد الذي حدث ابعد بكثير عن الموقف الأمريكي بهذا الخصوص، وبالتالي سيتصدع جدار الحصار الاقتصادي على ايران،وسيضعف امام تقدم كثير من هذه الدول لإعادة علاقتها التجارية والاقتصادية مع ايران.
اما سياسيا،ايران الان ومن خلال هذا الصمود العظيم اعادت وبروح قوية هيكلية محور المقاومة في المنطقة،ومن ساوره ان هذا المحور قد ضعف أوافل ربما،فإنه يعود بشكل مفاجأ سواء في الأداء الإيراني في هذه الحرب،وكذلك في مقدرات وقدرات وأداء حزب الله في جنوب لبنان.
وكذلك موقف الفصائل العراقية التي وقفها عمليا بعض فصائها في هذه الحرب لجانب ايران مما وفر عمقا استراتيجي غربيا لصالح ايران،وهذا سينعكس لاحقا على كل الأمور السياسية والاجتماعية في داخل العراق من توثيق العلاقات الى اختيار رئيس الوزراء الجديد .
اما إقليميا فإن موقف أفغانستان،والشيشان الذي بلغ موقفهم حد الاستعداد للقتال الى جانب ايران،بالإضافة الى موقف الباكستان القريب جدا من الموقف الإيراني،والموقف التركي الرافض للعدوان،فإن هذه الدول،والدول الأخرى المجاورة والتي رفضت فتح فضائهـــــا للطائـــرات
” الإسرائيلية ” والأمريكية ستعزز ايران علاقتها بها على واقع النصر الذي حققته وبالتالي سيكون على هذه الدول عقد اتفاقات مع ايران بعيدا عن الرفض والاعتراض الأمريكي.
الخلاصة ايران انتصرت والانتصار المنجز يُرى في فشل تحقيق اهداف العدوان،وهذا يعني ان هيبة وحضور وسياسات أمريكا و” إسرائيل ” تراجعت وانكمشت وفشلت،وبالتالي تركت المساحة لإيران على امتداد شعاع ما بعد مساحة ايران إقليميا ودوليا،والقيادة الإيرانية التي يشهد لها بالذكاء السياسي،ستكون قادرة على رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد المضاد،والذي سيجعلها لاحقا ” ايران الكبرى”، على واقع هذا الانتصار الكبير.






