انسحاب تكتيكي أم إعادة تموضع؟ قراءة في مفاوضات إسلام آباد وتعقيدات المشهد الإيراني الأمريكي

بقلم: د. صالح الشقباوي

شهدت مفاوضات إسلام آباد، التي استمرت على مدار واحد وعشرين ساعة متواصلة، حالة من الشدّ السياسي والدبلوماسي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث طرحت واشنطن حزمة من المطالب التي عكست جوهر رؤيتها لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة. تمثلت هذه المطالب في الحد من النفوذ الإقليمي الإيراني، وفرض قيود شاملة على البرنامج النووي، وتقييد البرنامج الصاروخي، إلى جانب فرض إملاءات سياسية تتصل بمستقبل الدور الإيراني، فضلاً عن مسألة السيطرة على مضيق هرمز، مقابل وعود برفع العقوبات الاقتصادية.
غير أن هذه المطالب، التي بدت أقرب إلى شروط إملائية منها إلى أرضية تفاوضية متكافئة، اصطدمت بجدار الرفض الإيراني، ما أدى إلى تعثر المحادثات وانسحاب الوفد الأمريكي. غير أن هذا الانسحاب لا يمكن قراءته بوصفه تراجعاً بقدر ما هو خطوة تكتيكية تهدف إلى إعادة الضغط على طهران ودفعها نحو تقديم تنازلات لاحقة، ربما في جولات تفاوضية جديدة تعيد إنتاج المشهد بشروط مختلفة.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل كان الانسحاب الأمريكي إعلاناً ضمنياً لفشل استراتيجي، أم أنه جزء من لعبة شد الحبال السياسية؟ الأرجح أن واشنطن تحاول عبر هذا السلوك إعادة ترتيب أوراقها، خاصة في ظل إدراكها لتعقيدات المشهد الإيراني، وعدم استعداد طهران لتقديم تنازلات تمس جوهر سيادتها أو مشروعها الإقليمي.
وفي حال انتهت هذه المواجهة دون اتفاق رسمي، فإن ذلك سيُقرأ في سياق التوازنات الدولية بوصفه هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل، وانتصاراً معنوياً لإيران، التي نجحت في الصمود أمام الضغوط المركبة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فغياب الاتفاق لا يعني الحياد، بل يعكس فشل القوة في فرض شروطها.
من جهة أخرى، فإن عدم التزام إيران الواضح بمبدأ عدم السعي لامتلاك سلاح نووي يزيد من تعقيد المشهد، ويفتح الباب أمام احتمالات تصعيد جديدة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، ويمنح الأطراف المناوئة مبررات إضافية للتحرك.
وفي الداخل الأمريكي، تبدو البيئة السياسية مهيأة لتحولات محتملة، حيث تتزايد المؤشرات على إعادة تشكيل مراكز القرار، وربما التمهيد لانتقال السلطة إلى نائب الرئيس، في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه الإدارة الحالية. هذا العامل الداخلي يلقي بظلاله على السياسة الخارجية، ويجعل من الملف الإيراني ورقة ضغط داخلية بقدر ما هو ملف دولي.
أما إذا ما اندلعت الحرب مجدداً، فإنها لن تكون امتداداً تقليدياً للحروب السابقة، بل حرباً جديدة بأدوات مختلفة، تتجاوز المفهوم الكلاسيكي للصراع. وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن حصول إيران على منظومات دفاع جوي متطورة من روسيا والصين، وهو ما من شأنه أن يحدّ من الهيمنة الجوية الأمريكية والإسرائيلية، ويعيد رسم قواعد الاشتباك، ويفتح الباب أمام معادلات ردع جديدة قد تُفضي إلى إحداث اختلال حقيقي في ميزان القوى، بل وربما تقود إلى هزيمة استراتيجية للمشروع الصهيوني في سياق طموحاته الإقليمية.
ختاماً، يمكن القول إن الجمود الكهنوتي الذي يحكم العلاقة بين طهران وواشنطن هو العامل الحاسم في إفشال محادثات إسلام آباد، حيث تقف كل دولة عند حدود رؤيتها العقائدية والاستراتيجية دون استعداد حقيقي لتقديم تنازلات جوهرية. وبين تكتيك الانسحاب وصلابة الموقف، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في انتظار لحظة حسم قد تعيد تشكيل المنطقة برمتها.