السياسي –
في خطوة أثارت عاصفة من الجدل داخل الأوساط الطبية العالمية، أعلن المعهد الوطني للسرطان (NCI)، أكبر ذراع بحثي في الولايات المتحدة، عن بدئه رسمياً دراسة دواء “الإيفرمكتين” (المضاد للطفيليات) كعلاج محتمل للسرطان. يأتي هذا التحول مدفوعاً بتوجيهات من إدارة ترامب وضمن أجندة “لنجعل أمريكا صحية مجدداً” (MAHA) التي يقودها وزير الصحة روبرت ف. كينيدي الابن.
كشف الدكتور أنتوني ليتاي، مدير المعهد المعين حديثاً، خلال فعالية “استعادة العلم للشعب” في واشنطن، أن المعهد بدأ بالفعل دراسات “ما قبل سريرية” لتقييم قدرة الدواء على قتل الخلايا السرطانية. وأوضح ليتاي أن “الاهتمام الشعبي والتقارير المنتشرة” حول الدواء كانت كافية لدفعه إلى طاولة البحث الجدي، مؤكداً أن النتائج ستظهر خلال بضعة أشهر.
🧪🚨 The National Cancer Institute is studying ivermectin to kill cancer cells.
Yes, that ivermectin—the dewormer that sparked countless debates over COVID-19 treatment.
Career scientists are “shocked and appalled” that this is happening without any new evidence to back it up.… pic.twitter.com/94DR4ongRm
— STAY JIT (@stayjustintime) February 11, 2026
وقال مدير المعاهد الوطنية للصحة جاي بهاتاشاريا خلال الفعالية: “إذا كان كثير من الناس يؤمنون به وكان يؤثر في الصحة العامة، فإن علينا في المعاهد الوطنية للصحة التزاماً، مرة أخرى، بأن نتعامل معه بجدية”.
ويُعرف “الإيفرمكتين” تاريخياً بأنه دواء حائز على جائزة نوبل لعلاج الأمراض الطفيلية لدى البشر والحيوانات (خاصة الخيول)، لكنه تحول خلال جائحة كوفيد-19 إلى رمز للمقاومة ضد المؤسسات الطبية التقليدية، رغم فشل التجارب السريرية آنذاك في إثبات فاعليته ضد الفيروس. وأشار مسؤولون في إدارة ترامب إلى الأبحاث حول الإيفرمكتين كمثال على انفتاح الإدارة على أفكار رفضها المجتمع العلمي.
علماء المعهد في صدمة
خلف أبواب المعهد العريق، سادت حالة استياء بين العلماء. وقال أحدهم دون أن يكشف عن هويته خوفاً من الانتقام: “أنا مصدوم ومستاء. نحن نحول التمويل عن أبحاث واعدة لإنفاقها على دراسة ما قبل سريرية تستند إلى أفكار غير علمية. هذا أمر سخيف”.
ويرى المعارضون أن هذه الخطوة تمثل “تسييساً للبحث العلمي”، حيث يُنفق مال دافعي الضرائب للتحقيق في فرضيات يروج لها مؤثرون عبر الإنترنت ومشاهير، مثل ميل غيبسون وجو روغان، ففي يناير(كانون الثاني) 2025 ادعى غيبسون شفاء 3 من أصدقائه في المرحلة الرابعة من السرطان بفضل مزيج من الأدوية من بينها الإيفرمكتين، في بودكاست شوهدت حلقته أكثر من 12 مليون مرة.
مخاوف من تضليل المرضى
الجانب الأكثر خطورة في هذا التحول يكمن في سلامة المرضى. فقد حذر أطباء الأورام من أن ترويج المؤسسات الرسمية لهذا البحث قد يدفع مرضى السرطان إلى التخلي عن علاجاتهم التقليدية الكيميائية والمناعية لصالح الإيفرمكتين.
وكانت إدارة الغذاء والدواء حذرت من أن الجرعات الكبيرة من الإيفرمكتين قد تكون خطيرة، ويمكن أن تؤدي الجرعات الزائدة إلى نوبات تشنج أو غيبوبة أو الوفاة.
وقال جيفري إيدنفيلد، المدير الطبي التنفيذي لطب الأورام في معهد بريزما هيلث للسرطان في ساوث كارولاينا: “الكثير من الأشياء تنجح في أنبوب الاختبار. وعدد غير قليل منها ينجح في الفئران أو القرود. لكن هذا لا يعني أنها ستنجح لدى البشر”.
وأشار تقرير طبي من مركز سينسيناتي للأطفال إلى حالة مراهق مصاب بسرطان العظام لجأ للدواء بناءً على منشورات سوشيال ميديا، مما أدى لإصابته بسمية عصبية استدعت تدخلاً طارئاً.
ذراع بحثي بصبغة سياسية
من جانبه، أكد غاي بهاتاشاريا، رغبته في أن تكون المعاهد “الذراع البحثية لـ MAHA”، مشدداً على أن الإدارة منفتحة على كافة الأفكار، حتى تلك التي يرفضها المجتمع العلمي، طالما أنها تهم الجمهور.
وتتزامن هذه التحركات مع توجه ولايات مثل فلوريدا لتمويل أبحاث مماثلة، في تحدٍّ واضح للأعراف الطبية التي سادت لعقود. وبينما يسعى ليتاي لتهدئة التوقعات بقوله إن الدواء لن يكون “علاجاً شافياً لكل أنواع السرطان”، يظل السؤال معلقاً: هل تنجح الأساليب العلمية الصارمة في ترويض العمليات السياسية، أم أن البحث العلمي في أمريكا دخل حقبة جديدة تحكمها التريندات والضغوط الشعبية؟






