اجزم ان الخطة الاسرائيلية الامريكية ومن معها من وراء ستار كانت ولا تزال هي “اسقاط النظام الايراني” ،فالبرنامج النووي الايراني ،او بناء التحالفات والمحاور الاقليمية لايران ، او تعزيز النفوذ الروسي والصيني في المنطقة هي نتائج لمنظور استراتيجي يتبناه النظام، وهو ما يعني ان الهدف ليس عرقلة هذه الابعاد بل اسقاط النظام لاسقاط كل ما يتبناه ، ،وهو ما يشبه شماعة الملابس التي إنْ سقطت سقط كل ما هو معلق عليها، هذا هو الامل الذي يسعى له ترامب ونيتنياهو.
ويبدو ان الخطة الامريكية الغربية (ومن هم وراء ستار) كانت تقوم على ركائز محددة هي:
أ- تأزيم الوضع الداخلي في المجتمع الايراني من خلال الحصار الاقتصادي، تأجيج الهويات الفرعية في القطاع الذي يقارب 45% من المجتمع من غير الفرس ، تعزيز المعارضة غير الرسمية من بقايا نظام الشاه او من بقايا يسار اسلامي موتور يتمركز في باريس وبعض مواقد المنطقة .
ب- اغتيال القيادات السياسية والعسكرية والعلمية على امل شل قدرات النظام على التخطيط القصير المدى بشكل اساسي ،وفتح الفرصة امام احتمال تناحر بين القيادات البديلة المحتملة ، وخلق قناعة بان النظام بلغ من الهشاشة قدرا يغوي لخلق بيئة مواتية لتحريك النقطة الاولى.
ت- تاجيج الاقليم ضد النظام من خلال نبش الثنائية التاريخية في التراث الاسلامي بين السنة والشيعة، او من خلال الحملات الاعلامية التي بلغت احيانا حدا من السذاجة لتصوير ان الصراع بين امريكا واسرائيل مع ايران هو “مسرحية” وليس صراعا استراتيجيا حول من يتسيد الاقليم .
لكن هذه الاستراتيجية الغربية –ومن هم وراء ستار- لم تحقق اي قدر من النجاح في بلوغ غايتها الرئيسية وهي اسقاط شماعة النظام ، بل أدت لجعل كثير من الفرضيات التي بنيت عليها هذه الاستراتيجية موضع قدر كبير من التشكك، رغم تحقيق اسرائيل وامريكا قدرا من الاختراقات الامنية لمرات متتالية التي شكلت ثقبا في الجدار الايراني.
ان افضل قراءة لفهم بنية النظام الايراني واستراتيجياته تكمن في فهم وتحديد السلطة المركزية في اتخاذ القرار الاستراتيجي ، وفي تقديري من المتعذر فهم النظام الايراني بمكوناته المركزية(المرشد والرئيس وحكومته ومجلس الشورى ومجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور ) دون فهم بنية مجلس الامن القومي الذي يمكن اعتباره هيئة اتخاذ القرار الاستراتيجي .
يتكون مجلس الامن القومي الايراني من 13 عضوا( تشرحه المادة 176 من الدستور)، ويمثل هؤلاء الاعضاء الاجنحة الثلاثة وهي القيادة السياسية(رئيس الجمهورية وهو نفسه رئيس المجلس ومعه رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية) لكن الاهم هنا هو ان هذه القيادة السياسية تضم ممثلا (او اكثر للمرشد الاعلى ويكون ممثل المرشد غالبا هو امين المجلس) والقيادة العسكرية( وتضم رئيس هيئة الاركان وقائد الجيش وقائد الحرس الثوري) والقيادة الامنية(وتضم وزير الاستخبارات ووزير الداخلية ووزير الخارجية لتنظيم الربط بين الداخل والخارج في البعد الامني) ،اما البعد الاقتصادي فيمثله رئيس هيئة التخطيط والميزانية الى جانب مشاركة وزراء احيانا ممن يكون الموضوع المطروح للنقاش يقع في دائرة الوزير المعني. وهنا لا بد من التنبه لقضية في غاية الاهمية، ان قرارات مجلس الامن القومي لا تصبح نافذة الا بعد موافقة المرشد عليها.
ماذا يعني ذلك؟ ان مركز اتخاذ القرار يتمحور حول 3 قوى هي المرشد(من خلال ممثله) والحرس الثوري وامين المجلس ، والملاحظ ان الرد على التخطيط الامريكي الاسرائيلي جاء من خلال :
أ- تنامي دور الحرس الثوري في اتخاذ القرار ،وهي هيئة تعد الاكثر تنظيما والاسرع في ملء فراغات القيادة ،لكنها ايضا الاكثر صدامية مع الخارج.
ب- تراجع وزن النخب الدبلوماسية بل والتكنوقراط في تراتبية هيئة اتخاذ القرار الاستراتيجي
ت- ان التعيين الجديد لامين عام المجلس (محمد باقر ذو القدر) يشير بما لا يدع مجالا للشك بان دوره ليس مجرد التنسيق بل هو المدير الفعلي لصناعة القرار تمهيدا لاتخاذ القرار من قبل المرشد، فالمجلس يصنع القرار وبدائله والمرشد هو من يتخذ القرار.
ذلك يعني ان الفترة القادمة تشير الى ان دور وزير الخارجية سيكون لا تقديم اقتراحات بل حمل قرارات مجلس الامن القومي والعمل على تنفيذها ،وهو ما يجعل المجلس “غرفة قيادة عسكرية امنية” وبالتالي تعزيز دور المرشد أكثر.
ويترتب على ما سبق، ان مستقبل مركز القرار سيتجه نحو ثلاثة احتمالات لكل منها مؤشرات فرعية تتراوح اوزانها بين (1: ضعيف الى 5 : قوي جدا )، ودون الدخول في التفاصيل الفنية ارى ان التوجه سيكون على النحو التالي (للفترة الزمنية المباشرة):
1- الهيمنة الامنية : مؤشراتها صعود واضح في حضور الحرس الثوري تعزز بتعيين محمد باقر ذو القدر ، قياس نسبة التعيينات من العسكريين في بنية السلطة، مشاركة الحرس الثوري في الملفات الخارجية بخاصة في الموضوعات النووية والاقليمية، وتراجع دور وزارة الخارجية وتزايد القرارات الأمنية على حساب القرارات الدبلوماسية( الاحتمال يتراوح بين 88-90%).
2- تراجع التوازن داخل المؤسسة اي تراجع وزن الدولة المدنية لصالح اتساع مشاركة القوى الخشنة، وتكون استقلالية الحكومة عالية في اتخاذ قراراتها “اليومية” مع دور فعلي للبرلمان والقضاء والتكنوقراط وظهور مبادرات ذاتية من وزارة الخارجية مع السماح بظهور قدر من الخلافات الداخلية العلنية( الاحتمال 60-65%)
3- احتكار القرار بقدر استبدادي، اي ان يصبح المرشد هو المستبد وتضعف المؤسسات لصالح دائرة نفوذه، وممثليه في مجلس الامن القومي، مع سرعة في اتخاذ القرار وغياب التعددية في عملية صنع القرار(الاحتمال من 35-40%)
ومن الضروي الاشارة الى ان القرار في مجلس الامن القومي الايراني يتم عادة (رغم عدم وجود نص في النظام الداخلي على كيفية التصويت) على اساس قاعدة التوافق (Consensus ) لا على اساس التصويت بالاغلبية ، وهو ما يجعل اعضاء المجلس حريصين على نجاح القرار، وهو نفس ما يجري في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني “التوافق النخبوي” (Elite Consensus)، اما في الولايات المتحدة ،فان المجلس يصنع القرار وبدائله بينما ينفرد الرئيس باتخاذه ، اما القرار في مجلس الامن القومي الاسرائيلي فيتم تقريبا عبر مرحلتين هما مرحلة صناعة القرار (يقوم بها مجلس الامن القومي) ومرحلة اتخاذ القرار يقوم بها الكابينت الامني وغالبا ما يكون رئيس الوزراء هو العامل الحاسم في اتخاذ القرار، ذلك يعني ان مجلس الامن القومي يتشابه في مركزيته رغم اختلاف بُنى النظم السياسية.
ذلك يعني اننا نرجح للفترة المباشرة القادمة الهيمنة الامنية، وهو ما يعني ان السلوك الامريكي الاسرائيلي –ومن هم وراء ستار- يغذي بقاء عدم الاستقرار ، بخاصة ان الطرف الاسرائيلي معني بتوريط اكبر عدد من الاطراف في الصراع ليخفف من اعبائه عن الكاهل الاسرائيلي…لكنه قد يدفع ايران الى التقدم خطوة نحو طرح علاقاتها بوكالة الطاقة النووية على الطاولة إذا اشتد الضغط عليها ،ولنا في كوريا الشمالية نموذج تاريخي .
ان الفوضى التي يصنعها رئيس امريكي لا يميز بين الوطن والعقار ،ورئيس وزراء اسرائيلي مسكون بميتافيزيقيا الوعد الالهي ، تواجههما دولة تتغذى بدورها على ” الحجتية المنتظره المهدي المنتظر والممزوجة برومانسية الشهادة وشعور قومي بضرورة الحصول على مكانة افضل في سلم القوى الحضاري المعاصر “…فهل الاستقرار ممكن في بيئة كهذه؟ خذوا ربما معكم فلدي منها الكثير.






