بقلم: الحاج بن معمر
منذ انطلاقتها في 16 أبريل 2022، اتخذت جريدة “بركة نيوز” الإلكترونية من القضية الفلسطينية قضيةً جوهريةً تنبض بها صفحاتها، محوِّلةً الإعلام إلى جسرٍ يعبر منه الفلسطينيون ليحكوا قصصَهم بأصواتهم.
لم تكن هذه المبادرة مجرد تغطية إخبارية عابرة، بل تحولت إلى منصة تُجسد معاناة شعبٍ تحت الاحتلال، وتكشف عن تفاصيلٍ قد لا تصل إلى العالم إلا عبر أقلامٍ تؤمن بأن القلم سلاحٌ في مواجهة الظلم.
من قصص الأسرى إلى قلوب القراء: سمر صبيح نموذجًا
كانت الأسيرة الفلسطينية **سمر صبيح** أولى حكايات هذا المسار الإعلامي الملتزم، التي وضعت مولودها خلف قضبان السجون الإسرائيلية، لتصبح رمزًا للصمود والأمومة في وجه القهر. هذا المقال الافتتاحي لم يكن سوى البداية لركنٍ خاصٍ بالأسرى، جمع مئات القصص التي كتبها الفلسطينيون أنفسهم، بتنسيقٍ مع **خالد عز الدين**، مسؤول الإعلام في سفارة دولة فلسطين بالجزائر، مما أعطى الشرعية والعمق للرواية الفلسطينية .
عبر هذا الركن، تحولت الأرقام المجردة لأسرى إلى وجوهٍ وأسماء وحكايات إنسانية، كتلك التي تتحدث عن أسرى يعيشون “فرحةً غائبةً للعيد” خلف الزنازين، أو أطفالٍ تُسلَب منهم براءة الطفولة تحت القصف .
متابعة على مدار الساعة: من الهدوء إلى عين الإعصار
مع اندلاع **معركة طوفان الأقصى**، تحولت “بركة نيوز” إلى خلية نحلٍ إعلامية، تنشر التفاصيل على مدار الساعة، كاشفةً عن جرائم الحرب التي تطال المدنيين، مثل إغلاق المخابز في غزة وتهجير سكان رفح تحت وطأة القصف، وهي أحداثٌ توثقها التقارير الدولية أيضًا . لم تكن التغطية مجرد نقل للأخبار، بل تحليلٌ يستند إلى آراء خبراء يوميين، مما عزّز مصداقية الجريدة كمرجعٍ للقارئ العربي الذي يبحث عن روايةٍ بعيدةٍ عن التحيز الإعلامي الغربي.
الحوارات الميدانية: من أمهات الشهداء إلى قادة الفكر
لم تكتفِ “بركة نيوز” بنقل الأخبار، بل خاضت في عمق المأساة عبر حواراتٍ مع شخصياتٍ فلسطينيةٍ حملت جراحًا وآمالًا. فالحوار مع **أم الشهيد ناصر أبو حميد** (“خنساء فلسطين”) خلال زيارتها للجزائر، لم يكن مجرد لقاءٍ عابرًا، بل إضاءةً على قصة أمٍّ تحوّل فقدانُ ابنها إلى وقودٍ للنضال. كما فتحت الجريدة أبوابها لسياسيين وأدباء مثل **المتوكل طه** و**حلمي طه**، و**الشاعرة قمر عبد الرحمن**، الذين قدموا رؤىً ثقافيةً وسياسيةً تعكس تنوعَ الرواية الفلسطينية وتشابكها مع الفن والأدب .
أقلام فلسطينية: فضاء الحرية الذي انتزع من تحت الركام
مع نهاية فبراير 2025، استحدثت الجريدة ركنًا خاصًّا يُسلط الضوء على القضية الفلسطينية بأقلام أبنائها، فتحوّل إلى منبرٍ للأدباء والشعراء والسياسيين. هنا، كتب **حسن عبادي** عن “أطفال غزة الذين ينتزعون فرحة العيد من تحت الأنقاض”، بينما حلّل **أحمد أبو هولي**، الوزير الفلسطيني، تداعيات التصعيد العسكري الأخير على المفاوضات الدولية.
هذه الأقلام لم تكن تعبر عن أفرادٍ فحسب، بل عن شعبٍ يرفض أن تُختزل قضيته في أرقام الضحايا أو البيانات الدبلوماسية الجافة .
التحديات والإرث: صحافة تقاوم النسيان
واجهت “بركة نيوز” تحدياتٍ جمةً في ظلّ تضارب الروايات الدولية وانزياح القضية الفلسطينية أحيانًا عن صدارة الاهتمام الإعلامي. إلا أن إصرارها على توثيق كل تفصيلٍ، من إعدام المسعفين إلى استخدام المدنيين كدروع بشرية ، جعلها مرجعًا لا غنى عنه لفهم التعقيدات اليومية للصراع. كما أن تعاونها مع مؤسسات مثل **الاتحاد الدولي للصليب الأحمر**، الذي عبّر عن غضبه إثر استهداف طواقم الإسعاف، أضاف بعدًا إنسانيًّا لرسالتها .
خلاصة: القلم الذي يحفر في ذاكرة التاريخ
بركة نيوز، ومن خلال هذا المسار، لم تكن مجرد جريدةٍ تُنقل الأخبار، بل أصبحت أرشيفًا حيًّا لتاريخٍ يُكتب بالدماء والدموع. إنها تُذكّر العالم بأن فلسطين ليست أرضًا للصراعات فحسب، بل وطنٌ لأشخاصٍ يحلمون بالحرية، ويصرخون عبر مقالاتٍ وحواراتٍ أن وجودهم مقاومةٌ بحد ذاتها. وفي زمنٍ تُحاول فيه بعض الأصوات طمسَ الحقائق، تبقى هذه الجريدة شاهدًا على أن القلم قد يكون أقوى من الرصاص حين يُحمَل بإيمانٍ بعدالة القضية.