أولًا، وحتى لا يبدأ “خبراء النوايا” بتفسير أي نقد على أنه حالة شخصية أو رد فعل على نتائج أو مواقع، فإننا نتحدث هنا عن السياسة كما هي، لا عن الأشخاص ولا عن الحسابات الضيقة.
وثانيًا، وبكل احترام لا يحتاج إلى تكرار لكنه واجب التثبيت، فإن فخامة الرئيس محمود عباس “أبو مازن” يمثل مرجعية وطنية عليا تحملت في مرحلة شديدة التعقيد مسؤولية حماية المشروع الوطني الفلسطيني ومنع انهياره، وهذا ثابت لا يُمس في أي قراءة منصفة للمشهد.
لكن بعد الثوابت، نصل إلى السؤال الذي لا يرحم: هل نحن ندير السياسة أم أن السياسة تديرنا بإيقاعها الخاص؟
بصراحة، المشهد فيه نوع من الانضباط الانتقائي المثير للتأمل. في اللحظة التي نحتاج فيها تنظيمًا داخليًا تظهر الدولة وكأنها آلة دقيقة لا يضيع فيها تفصيل ولا صوت ولا خطوة وكل شيء محسوب حتى آخر لحظة.
لكن الغريب أن هذا الانضباط نفسه حين ينتقل إلى حياة الناس يتحول إلى حالة مختلفة تمامًا، أقرب إلى “وضع توفير الطاقة”.
الرواتب تصبح مرتبطة بالظروف والإصلاحات تتحول إلى مسار مفتوح والملفات الاقتصادية تُدار بلغة المتابعة، بينما المواطن يُطلب منه أن يفهم ويصبر ويتأقلم. ومع الوقت يتحول الصبر من خيار إلى نظام حياة.
وفي المقابل، هناك شعور متزايد بأن كل شيء داخل الإطار التنظيمي يمكن حسمه بسرعة عالية، بينما كل ما يتعلق بحياة الناس يحتاج وقتًا أطول بكثير مما يحتمله الواقع نفسه.
وهنا تظهر المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح: فكلما كان الملف داخليًا كانت السرعة لافتة، وكلما كان متعلقًا بالناس، أصبح الإيقاع أبطأ وأكثر تعقيدًا.
كأننا أمام دولتين داخل دولة واحدة فقط دولة تعرف كيف تحسم التفاصيل بدقة، ودولة أخرى تحتاج دائمًا إلى مزيد من الوقت قبل أن تصل إلى النتيجة.
وفي هذا السياق، تأتي السخرية الشعبية لتصف المشهد بطريقتها الخاصة، فتختصر حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي بما يُشبه “حكومة الياناصيب الوطني”، ليس من باب التجريح، بل من باب التعبير عن واقع لا يمكن التنبؤ به: راتب قد يأتي أو لا يأتي، قرار قد يُنفذ أو يُؤجل، وحلول تبقى دائمًا في منطقة الاحتمال.
والأخطر أن هذا لم يعد استثناءً، بل بدأ يتحول إلى نمط متكرر، ومع التكرار يتحول إلى اعتياد ومع الاعتياد يفقد الاستثناء معناه.
وفي الوقت نفسه، الخطاب الرسمي يسير في اتجاه آخر تمامًا، حيث كل شيء “قيد العمل”، وكل شيء “ضمن المسار”، وكل شيء “تحت السيطرة” بينما الواقع عند المواطن يسير في مسار مختلف تمامًا، عنوانه الانتظار وإعادة التكيّف المستمر مع ما لا يتغير.
وهنا تبدأ السخرية الحقيقية، ليس في وجود الأزمات، بل في القدرة على إدارتها دون الاقتراب من إنهائها، وفي القدرة على شرحها بدقة أعلى من القدرة على حلها.
ونصل إلى المفارقة الأهم، وهي أن هناك قدرة واضحة على ضبط الداخل التنظيمي بسرعة وحسم، لكن هذا الضبط لا ينعكس بنفس القوة على حياة الناس اليومية، وكأن المسافة بين القرار وبين أثره مسافة أطول مما ينبغي أن تكون في أي حالة طبيعية.
وفي النهاية، لا أحد يطلب معجزة ولا أحد يطلب خطابات إضافية ولا أحد ينتظر وعودًا جديدة.
الناس تطلب شيئًا واحدًا فقط، بسيطًا وواضحًا: أن تُدار حياتهم بنفس الجدية التي تُدار بها بقية الملفات.
غير ذلك، سنبقى في نفس الدائرة حكومة تشرح وشعب ينتظر وواقع يتقن الثبات أكثر مما يتقن التغيير.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختصر كل شيء: بدنا شعب يناسب هذه الحكومة ؟؟؟ أم حكومة تناسب هذا الشعب؟؟؟لأن استمرار هذا الانفصال بين الاثنين لم يعد مجرد حالة سياسية، بل أصبح نمط حياة كامل.





