جاري التحميل...

بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح.. صراع الشرعيات لا صراع الأشخاص

خبير سوسيولوجي
وفلسفي من جامعة الجزائر

إن قراءة نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة فتح لا ينبغي أن تنحصر في تعداد الفائزين والخاسرين، لأن المؤتمرات في الحركات الوطنية ليست مجرد عمليات انتخابية، وإنما لحظات لإعادة إنتاج النخبة السياسية وإعادة توزيع الشرعية داخل البنية التنظيمية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من فاز؟ بل: أي شرعية انتصرت؟ وأي شرعية ما زالت تبحث عن طريقها إلى المستقبل؟
لقد كشف المؤتمر عن حقيقة سوسيولوجية وسياسية في آن واحد، وهي أن حركة فتح لم تعد تتحرك وفق مركز واحد للسلطة، بل أصبحت تتوزع بين أربعة أنماط من الشرعية؛ الشرعية الكاريزمية، والشرعية التنظيمية، والشرعية المؤسسية، والشرعية التاريخية. وهذه الشرعيات تتجاور أحيانًا، وتتعارض أحيانًا أخرى، لكنها جميعًا تتنافس على احتكار تمثيل الحركة في مرحلة ما بعد محمود عباس.
المفارقة الكبرى أن مروان البرغوثي، وهو الأسير المعزول خلف جدران السجن، استطاع أن يتصدر نتائج انتخابات اللجنة المركزية. وهذه ليست مجرد نتيجة انتخابية، بل رسالة سياسية عميقة تؤكد أن الاعتقال لم ينجح في تعطيل حضوره الرمزي، وأن الوعي الفتحاوي ما زال يرى فيه تجسيدًا لشرعية المقاومة وللكاريزما الثورية التي افتقدتها الحركة في سنوات السلطة الطويلة.
إن البرغوثي لا ينافس خصومه بأدوات السلطة، بل ينافسهم بقوة الرمز. والرمز في علم الاجتماع السياسي يمتلك قدرة على إنتاج الشرعية تفوق أحيانًا قدرة المؤسسات نفسها. ولذلك بقي الرجل حاضرًا في الوعي الجمعي، رغم غيابه القسري عن المشهد التنفيذي.
في المقابل، يمثل حسين الشيخ نموذجًا مختلفًا للشرعية؛ شرعية المؤسسة. فقد تشكل نفوذه داخل أجهزة السلطة ومنظمة التحرير، واكتسب خبرة واسعة في إدارة الملفات السياسية والإدارية. إنه يمثل عقل الدولة أكثر مما يمثل ذاكرة الثورة، ولهذا فإن قوته تنبع من المؤسسة، لا من الشارع.
أما جبريل الرجوب، فيمثل شرعية التنظيم. فهو يمتلك شبكة واسعة من العلاقات داخل أقاليم الحركة، وخبرة طويلة في إدارة التوازنات الداخلية، ويجيد قراءة البنية التنظيمية أكثر من اعتماده على الخطاب الجماهيري. ولذلك بقي لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل فتح.
أما محمود العالول، فإنه يجسد الشرعية التاريخية، باعتباره أحد أبناء الجيل الذي حمل تجربة الثورة منذ بداياتها. ووجوده داخل القيادة يعكس استمرار حضور الذاكرة التاريخية للحركة، حتى وإن تغيرت موازين القوة داخلها.
وهكذا، لم يفرز المؤتمر الثامن قائدًا أوحد، بل كشف عن تعددية في مصادر الشرعية. فالبرغوثي يملك شرعية الجماهير، وحسين الشيخ يملك شرعية المؤسسة، والرجوب يملك شرعية التنظيم، والعالول يملك شرعية التاريخ.
غير أن المفاجأة التي حملها المؤتمر تمثلت في دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية، وهي خطوة تفتح الباب أمام أسئلة سياسية أكثر مما تقدم إجابات. فهل تسعى الحركة إلى إدخال جيل جديد في معادلة القيادة؟ أم أن الأمر يعكس إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل النظام السياسي الفلسطيني؟ هذا السؤال سيظل مفتوحًا، لأن الشرعية داخل الحركات الوطنية لا تُكتسب بالانتخاب وحده، وإنما بقدرة القيادة على إنتاج الإجماع الوطني.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن المؤتمر الثامن لم يحسم أزمة الخلافة، بل أعاد تنظيمها. لقد وزع القوة بين عدة مراكز، لكنه لم ينتج مركزًا قادرًا على احتكار القرار. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار التفاوض الداخلي بين تيارات الحركة، وربما إعادة بناء تحالفات جديدة وفق متغيرات الواقع الفلسطيني والإقليمي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه فتح ليس تعدد الطامحين إلى القيادة، وإنما تحول التنافس المشروع إلى صراع على الشرعية. فالشرعية، إذا انقسمت بين الجماهير والمؤسسة والتنظيم والتاريخ، فإن الحركة تصبح أمام اختبار وجودي، لأن تعدد الشرعيات قد يتحول إلى تعدد في مراكز القرار.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع فتح أن تحول هذه التعددية إلى مصدر قوة، أم ستتحول إلى سبب جديد للانقسام؟
إن الجواب لن تصنعه نتائج المؤتمرات وحدها، بل ستصنعه قدرة الحركة على إنتاج عقد سياسي جديد يعيد التوازن بين الثورة والدولة، وبين المقاومة والمؤسسة، وبين التاريخ والمستقبل. عندها فقط تصبح القيادة تعبيرًا عن وحدة الحركة، لا عن انتصار تيار على آخر.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالمؤتمر الثامن لم يُنهِ معركة الخلافة، بل نقلها من صراع الأشخاص إلى صراع الشرعيات، ومن التنافس على المواقع إلى التنافس على معنى فتح نفسها: هل تبقى حركة تحرر وطني تستمد شرعيتها من الجماهير، أم تتحول إلى حزب سلطة يستمد شرعيته من مؤسساته؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل الحركة، وربما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.