انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح، وطويت صفحة الانتخابات والتنافس التنظيمي، لتبدأ المرحلة الأهم: العمل. فالمؤتمرات لا تُقاس بعدد الحضور أو الأصوات، بل بما تتركه من أثر في الحركة والشعب والقضية الوطنية.
اليوم لا ينتظر أبناء فتح خطابات احتفالية أو بيانات تقليدية، بل مشروعاً يعيد للحركة مكانتها باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.
دفعت فتح خلال السنوات الماضية ثمناً باهظاً بسبب الخلافات التنظيمية وتراجع التواصل مع قواعدها. وفي وقت وسّع فيه الاحتلال الاستيطان واستهدف الوجود الفلسطيني، تساءل كثيرون: أين فتح المبادِرة والقائدة؟
نجاح المؤتمر الثامن لن يُقاس بأسماء الفائزين، بل بقدرتهم على استعادة ثقة أبناء الحركة والشعب الفلسطيني. وهذه الثقة تُكتسب بالعمل والإنجاز والشراكة، لا بالقرارات وحدها.
المطلوب من اللجنة المركزية العودة إلى الميدان، وأن يشعر كل كادر فتحاوي بأن صوته مسموع وجهده مقدّر، وأن الانتماء للحركة مساحة للعطاء لا للتهميش.
كما يُنتظر من المجلس الثوري أن يمارس دوراً رقابياً حقيقياً. فالحركة القوية تراجع أداءها وتصحح أخطاءها بشجاعة، لا أن تكتفي بتبرير الواقع.
أما الشباب الفتحاوي، فهم رهان المرحلة المقبلة. فهم بحاجة إلى مساحة للمشاركة وصنع القرار، ولا يمكن لحركة تتطلع إلى المستقبل أن تبقى أسيرة الأدوات والعقليات القديمة.
وفي الخارج، لا بد من إعادة الاعتبار للساحات الفتحاوية في الشتات، بحيث يشعر الفلسطينيون هناك أن فتح ما زالت بيتهم الوطني، وأن لديها رؤية للاستفادة من طاقاتهم وخبراتهم.
كما تتطلب المرحلة تجاوز منطق المنتصر والمهزوم. فالرابح الحقيقي هو فتح إذا توحدت، والخاسر الحقيقي هو فتح إذا بقيت رهينة الاصطفافات والحساسيات الشخصية.
لقد منح المؤتمر القيادة الجديدة شرعية تنظيمية، لكن الشرعية الأهم تُكتسب يومياً من القواعد وأبناء الحركة في الميدان. لذلك تمتلك اللجنة المركزية والمجلس الثوري فرصة لإثبات أن المؤتمر كان بداية مرحلة جديدة عنوانها التجديد والوحدة والعمل.
فتح لا تحتاج إلى إعادة كتابة تاريخها، فهو محفوظ بتضحيات الشهداء والأسرى. ما تحتاجه اليوم هو بناء مستقبل يعيد لها حضورها وتأثيرها، ويعزز قدرتها على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة شديدة الصعوبة.
فبعد المؤتمر الثامن لم يعد السؤال: من فاز؟ بل: ماذا سنفعل؟ وكيف تتحول النتائج إلى خطوات تعيد الثقة وتوحد الصفوف؟
فالمرحلة المقبلة تُحسم بالفعل لا بالشعارات، وبالإنجاز لا بالوعود. وعندها فقط يمكن القول إن المؤتمر الثامن لم يكن نهاية محطة تنظيمية، بل بداية مسار جديد يليق بتاريخ فتح وتضحيات أبنائها وآمال شعبها








