السياسي – قبل ثلاث سنوات، بالضبط في نيسان 2023، جلست قضاة محكمة العدل العليا للبحث في التماس ضد تعيين بن غفير. كانت الحكومة بعمر ثلاثة أشهر بالإجمال. بن غفير، مجرم مدان، لم يكن واثقاً من أن مكانته الجديدة في طرف أداة إنفاذ القانون في الدولة، ستستقبلها المحكمة العليا بتفهم: جاء ليلعق. وبعد غد ستعود محكمة العدل العليا للبحث في ولايته. سيكونون اللاعبين أنفسهم: رئيس الوزراء نفسه، المستشارة القانونية نفسها، وزير الأمن القومي نفسه، ومحكمة العدل العليا نفسها. لكن الدولة انقلبت رأساً على عقب، وانقلبوا معها. نتنياهو آخر؛ بهرب ميارا أخرى؛ بن غفير آخر، ومحكمة العدل العليا أخرى. بحث مشوق.
“ماضيّ من خلفي”، وعد بن غفير المحكمة قبل ثلاث سنوات. “اخترت السير في مسار مختلف. أنا مخلص للمحكمة. أنا ورفاقي في اليسار إخوة. في هذه المحكمة أيضاً إخوتي. أسمع عن الخوف من شرطة أفكار أو حظر مظاهرات،وأذكركم بأننا نحن من صارع أكثر من جميع منظمات حقوق المواطن في سبيل حرية التعبير وحق التظاهر. لست بن غفير قبل ست، سبع، ثماني سنوات. لست مواصلاً لطريق الحاخام كهانا.
أما نتنياهو فكتب للقضاة بشبه اعتذار: أنا واعٍ للمشكلة التي يعرضها التعيين. لكن يجب مراعاة نتائج الانتخابات: ناخبو بن غفير يريدون رؤيته في الشرطة. سيكون على ما يرام.
القضاة أعطوا بن غفير استحقاقاً مشروطاً. هو سيواصل ولايته، لكنه ورئيس الوزراء سيتعهدان بألا يخرجا عن صلاحياته. وبهرب ميارا أعطت موافقتها.
وثيقة المبادئ – هكذا سمي تذكر بالأوراق التي يتقدم بها أولياء أمور قلقون للتوقيع لطفلهم فائق النشاط. بن غفير يتعهد بطاعة القانون، ونتنياهو يوقع كوصي. وكما يفصل البيان الذي تقدمت به النيابة العامة قبيل البحث في محكمة العدل العليا هذا الأسبوع، فقد انتهك بن غفير كل تعهد قطعه. فقد تعهد ألا يتدخل في التحقيقات، وتدخل؛ تعهد ألا يتدخل في مظاهرات أعمال الاحتجاج وتدخل؛ تعهد ألا يتدخل في التعيينات من خلف ظهر المفتش العام وتدخل؛ ومثلما في القصة القديمة عن جورج برنارد شو والليدي استور، الجدال ليس على الجوهر بل على الكمية. بن غفير يدعي من خلال محاميه بأنه انتهك تعهده في حالات قليلة فقط، وأنه تعهد، لكن تعهده ليس ملزماً.
بكلمات أخرى، اقفزوا لي. انتهى عصر اللعق: لستم إخوتي ولست وليكم. من أنتم لتقولوا لي ما أفعله. قبل ثلاث سنوات، قلت لكم إن ماضيّ خلفي. نسيت أن أقول لكم إني ساحر: الماضي الذي كان من الخلف قفز وهوب.. هو الآن أمامي. وشيء ما آخر: لست مواصلاً لطريق كهانا. طريق كهانا كان غبياً؛ اقتادني إلى النبذ والموت. أنا مواصل لطريق بن غفير: انظروا أين هو وأين أنا.
وعليه، فالاختبار الذي يقف أمامه قضاة العليا لا يعنى ببن غفير، بل بهم. القضاة يكرهون أن يقفوا في هذا الوضع، لكن لا مفر. صحيح أنهم غير مطالبين بطرد وزير من الحكومة، بل يحيلونه فقط من وزارة الأمن القومي إلى وزارة أخرى. لكن إذا ما قرروا فعل هذا، فسيثيرون ضدهم الحكم وناخبيه وقسماً كبيراً من الرأي العام. وزير العدل سيقترح على رئيس الوزراء ألا يطيع: ربما يتصرف رئيس الوزراء وفقاً لمشورته. ستكون هنا جلبة الرب.
الوزن أثقل بكثير على الكفة الثانية من الميزان. تسليم بانتهاك القانون بشكل فظ، ويومي، في مواضيع جوهرية تتعلق بإنفاذ القانون وبحقوق المواطن، بل وعلناًمن خشبة القفز، يبشر، في نهاية الأمر، بانتهاء فصل إسرائيل كدولة قانون. مؤسسة تدعى محكمة عدل عليا، ستبقى؛ أما العدل فلن يكون فيها. معايير سلوك بن غفير ستبث تأثيرها على الخدمة العامة كلها. وهي تبث هذا الآن. ينبغي أن نرى بقلق بل وربما حتى بتقزز، اندفاع معايير السلوك من الشرطة نحو الجيش و”الشاباك”. الجيش يقف بلا وسيلة وأحياناً قريبة، في الميدان، يتعاون حتى مع الخطوات لطرد السكان من مناطق “ج” و “ب”، بعضهم قسراً، وبعضهم بعنف إجرامي. الجيش، من خلال قيادة الجبهة الداخلية، يسير في التيار مع التفضيلات السياسية للشرطة. اكتظاظ جماهيري بلا مجال محمي في شاطئ البحر أو في مدينة حريدية- نعم، أما مظاهرة يسارية من فوق المجال المحصن-فلا.
في كل ما يتعلق بتصريحاته في المواضيع الداخلية، نتنياهو هو اليوم بن غفير: لا صدع بينهما. البيان الذي تقدمت به النيابة العامة إلى المحكمة قبيل البحث بعد غد يدل على حجم التغيير: في نظره، لم يعد بن غفير مشكلة تتطلب المعالجة. محكمة العدل العليا هي المشكلة التي تتطلب المعالجة. هو لم يختر جانباً فقط، بل امتزج في داخله. في مثل هذه المفترقات، تفضل محكمة العدل العليا حلاً وسطاًمتفقاً عليه أو الرفض. في غضون نصف سنة، ستجرى انتخابات، وسيُعين في أعقابها وزير آخر في الشرطة. فلماذا نقرب النهاية، ونؤكد الخصام، ونعرض البيت للخطر؟
قد لا يكون لهم ترف كهذا: مثلما لا يوجد نصف حمل، لا يوجد نصف بن غفير. لا يوجد بن غفير خفيف الدسم. وزير إنفاذ القانون الذي يخترق القانون مثال وقدوة للحكومة كلها، للنظام كله. إذا كان كل شيء مسوغاً، فإن إلغاء الانتخابات أيضاًمسوغ، وكذا استقلالية المحكمة. الأوائل الذين ينبغي لهم أن يثوروا هم القضاة في الجناح المحافظ للمحكمة العليا. الاختبار اختبارهم قبل كل شيء.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 13/4/2026








