في كل مرة يُمنَع فيها السؤال باسم الوطن، يخسر الوطن جزءًا من نفسه. وفي كل مرة يُشيطَن فيها النقد بحجة “الظرف الحساس”، تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى قدر. في السياق الفلسطيني والعربي، لا يُدار الصراع السياسي فقط في ساحات المواجهة أو موازين القوة، بل وربما أخطر في معركة الوعي، حيث يُعاد تعريف الانتماء بوصفه طاعة، وتُصوَّر المساءلة كخيانة، ويُختزل المواطن في دور المصفّق أو المتَّهَم.
هذا ليس انحرافًا لغويًا عابرًا، بل بنية خطابية متكاملة تُستخدم لحماية الفشل من النقد، لا لحماية القضية من الأعداء. فحين تعجز السياسة عن تقديم إجابات، تلجأ إلى تخويف الناس من الأسئلة. وحين تفشل القيادة في المراجعة، تطالب المجتمع بالصمت. هكذا يتحول “الانتماء” من علاقة مسؤولية متبادلة، إلى أداة قمع معنوي تُرفع في وجه كل من يجرؤ على التفكير بصوت عالٍ.
في لحظات الأزمات الكبرى، يُختبر صدق المشاريع لا بشدة الشعارات، بل بقدرتها على تحمّل النقد. لكن في الواقع الفلسطيني والعربي، غالبًا ما يحدث العكس تمامًا: كلما اشتدّ المأزق، ضاق هامش النقاش. يُقال إن الوقت غير مناسب، وإن المعركة لا تحتمل “التشويش”، وكأن الفشل لا يُشوّش إلا إذا كُشف، لا إذا استمر بلا مساءلة. وكأن الصمت فضيلة سياسية، لا وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الهزيمة.
في الحالة الفلسطينية، يأخذ هذا المنطق بعدًا أكثر خطورة. فالقضية العادلة التي يفترض أن تكون مصدر قوة وثقة تُستخدم أحيانًا كدرع لإغلاق النقاش الداخلي. تُستدعى قدسية فلسطين لا لحماية المشروع الوطني، بل لحماية الأداء السياسي من المحاسبة. يُمنَع السؤال عن الخيارات، وعن إدارة الصراع، وعن جدوى المسارات، وكأن عدالة القضية تُعفي من أخطأ باسمها من أي مسؤولية.
لكن الانتماء لفلسطين لا يعني تعليق العقل ولا تعطيل الضمير. الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحدة الهتاف، بل بصرامة الموقف من الفشل. لا يُقاس بعدد الشعارات، بل بالقدرة على المراجعة. فالقضية التي دفعت أثمانًا هائلة من الدم والوقت لا تملك ترف إعادة تدوير الأخطاء، ولا تحتمل قيادة تُخطئ ثم تطلب من الناس الصمت احترامًا “للرمزية”.
النقد البنّاء، في هذا السياق، ليس ترفًا نخبويًا ولا تشويشًا على المعركة، بل شرط من شروط بقائها. من دون نقد، تتحول السياسة إلى طقس مغلق، وتتحول الشعارات إلى بدائل عن الاستراتيجيات، وتُدار الأزمات بالعاطفة بدل العقل. النقد ليس ضد الصمود، بل ضد الوهم. ليس ضد الوحدة، بل ضد وحدة زائفة تُبنى على القمع والخوف.
عربيًا، يتكرر المشهد ذاته بصيغ مختلفة. في دول وأنظمة وحركات، يُقدَّم الاستقرار بوصفه نقيضًا للنقد، وتُرفع فزاعة “التهديد الخارجي” لتبرير غياب المساءلة. يُقال للناس إن السؤال يفتح أبواب الفوضى، بينما الواقع يثبت أن الفوضى الحقيقية هي نتاج عقود من الصمت، ومن احتكار القرار، ومن إقصاء المجتمع عن المشاركة في رسم مصيره.
التاريخ الفلسطيني والعربي لا يترك مجالًا للشك: غياب النقد لم يحمِ القضايا، بل أضعفها. الانقسامات لم تبدأ حين اختلف الناس، بل حين مُنعوا من الاختلاف. الهزائم لم تكن نتيجة حرية التعبير، بل نتيجة قرارات اتُّخذت في غرف مغلقة، بلا مساءلة ولا شفافية. كل مشروع سياسي انهار، لم ينهَر لأنه تعرّض للنقد، بل لأنه حُصِّن ضد النقد.
الأخطر من ذلك أن خطاب التخوين لا يكتفي بإسكات الحاضر، بل يدمّر المستقبل. فهو يربّي أجيالًا تخاف السؤال، وتخلط بين الولاء والعجز، وتتعلم أن الوطنية تعني الصمت لا المشاركة. وحين تُطلب من هذه الأجيال التضحيات، تُطلب بلا حق في الفهم أو التقييم أو الاعتراض. يُطلب منها أن تثق، لا لأن الثقة بُنيت، بل لأن الشك مُجرَّم.
في المقابل، الجبهة الداخلية القوية لا تُبنى بالصمت، بل بالنقاش. لا تُبنى بالخوف، بل بالوضوح. الوحدة الحقيقية ليست وحدة القطيع، بل وحدة المختلفين حول مشروع واضح وقابل للنقد. أما الوحدة التي تُفرض بالقمع، فهي هشة، مؤقتة، وقابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.
ولا يعني الدفاع عن النقد تبرير كل خطاب عبثي أو كل معارضة غير مسؤولة. النقد البنّاء له شروطه: معرفة لا جهل، مسؤولية لا شعبوية، وحرص حقيقي على المصلحة العامة. لكنه، مهما كان قاسيًا، يظل أقل خطرًا من الصمت، وأقل كلفة من الاستمرار في مسار مغلق لا يعترف بالخطأ ولا يتعلم من التجربة.
الخلاصة واضحة ولا تحتمل الالتباس:
لا تعارض بين الانتماء والنقد. التعارض الحقيقي هو بين الانتماء والخوف، وبين الوطنية وعبادة الخطأ. القضايا العادلة لا تحتاج إلى حماية من الأسئلة، بل إلى شجاعة مواجهتها. وكل مشروع سياسي لا يحتمل النقد، لا يستحق أن يطالب الناس بالتضحية من أجله.
فلا تحرر بلا وعي،
ولا وعي بلا مساءلة،
ولا انتماء حقيقي بلا الجرأة على قول الحقيقة، حتى حين تكون مؤلمة.
*ناشط وكاتب عربي فلسطيني عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام / شيكاغو .







