بين الباستيل وجدار برلين: الحداثة كسردية غربية وسؤال الغياب العربي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الحداثة مجردَ حقبةٍ زمنيةٍ تُؤرَّخ بين عامٍ وآخر، بل هي انقلابٌ في بنية الوعي، وانزياحٌ في مركز الثقل المعرفي من الغيب إلى العقل، ومن الموروث إلى المُنجَز، ومن التسليم إلى النقد. وإذا كان المؤرخون قد رسموا خطًّا فاصلاً عند حدود القرن السابع عشر، حيث أخذت أوروبا تُعيد تشكيل ذاتها خارج عباءة اللاهوت، فإن هذا التحول لم يكن حدثًا عرضيًا، بل كان نتيجة تراكماتٍ فلسفيةٍ عميقة بدأت مع عصر النهضة، وتبلورت في الثورة الفرنسية بوصفها إعلانًا رمزيًا لميلاد الإنسان بوصفه ذاتًا سيادية.
لقد دشّنت الحداثةُ مشروعًا جريئًا: إحلال العقل محلّ المرجعية الغيبية، وتأسيس الأخلاق على قاعدةٍ إنسانيةٍ لا لاهوتية، وإعادة تعريف الحقيقة باعتبارها نتاجًا للعقل والتجربة، لا معطًى جاهزًا في النصوص المقدسة. ومن هنا، لم يعد اللهُ — في الوعي الحداثي — المصدر الوحيد للمعنى، بل صار العقلُ والعلمُ والتاريخ شركاءَ في إنتاج الدلالة، بل ومتنافسين أحيانًا في احتكارها.
غير أن هذا المشروع، الذي بدا في لحظةٍ ما وكأنه خلاص البشرية من ظلمات القرون الوسطى، سرعان ما كشف عن تناقضاته الداخلية. فالعقل الذي حرّر الإنسان، هو ذاته الذي أنتج أدوات السيطرة؛ والعلم الذي وعد بالتحرر، هو نفسه الذي أفرز أشكالًا جديدة من الهيمنة. وهكذا، جاءت لحظة سقوط جدار برلين لا بوصفها حدثًا سياسيًا فحسب، بل كعلامةٍ رمزية على تصدّع المشروع الحداثي، وانهيار أوهام “النهايات الكبرى” التي بشّرت بها الإيديولوجيات.
في هذا السياق، وُلدت ما بعد الحداثة، لا كمرحلةٍ زمنيةٍ فحسب، بل كحالة شكٍّ جذري في كل ما ادّعى الكونية واليقين. إنها لحظة تفكيكٍ للسرديات الكبرى، كما وصفها جان فرانسوا ليوتار، حيث لم تعد الحقيقة واحدة، ولا الأخلاق مطلقة، ولا الهوية ثابتة. لقد صار العالمُ فسيفساء من المعاني، والإنسانُ كائنًا عابرًا بين احتمالاتٍ لا نهائية من التأويل.
لكن، هنا يبرز السؤال الذي يختزن توترًا معرفيًا عميقًا:
ألم يكن هناك حقبٌ عربية؟
إن هذا السؤال لا يستبطن مجرد غيابٍ زمني، بل يكشف عن فجوةٍ في تشكّل الوعي التاريخي العربي ذاته. فالعالم العربي لم يعش الحداثة بوصفها تجربة داخلية نابعة من صراعاته الفكرية والاجتماعية، بل تلقّاها غالبًا كمنتجٍ خارجي، أو كصدمةٍ حضارية فرضها الاحتكاك بالغرب. ومن هنا، لم تتكوّن حداثة عربية مكتملة الشروط، بل تشكّلت “محاولات تحديث” متقطعة، ظلت تتأرجح بين استعادة الماضي واستعارة الحاضر.
لقد عرف التراث العربي لحظاتٍ عقلانيةً لافتة، كما في تجارب ابن رشد والفارابي، حيث جرى الدفاع عن العقل بوصفه أداةً للفهم، لا نقيضًا للوحي. غير أن هذه اللحظات لم تتحول إلى مشروع تاريخي مستمر، بل انقطعت بفعل عوامل سياسية وثقافية، ليعود العقل إلى موقع الدفاع بدل المبادرة.
وهكذا، بينما كانت أوروبا تنتقل من الحداثة إلى ما بعدها، كان العالم العربي لا يزال يتلمّس طريقه إلى الحداثة نفسها، بل ويخوض معاركها الأولى: معركة العقل ضد النقل، والحرية ضد السلطة، والفرد ضد الجماعة. ومن هنا، تبدو ما بعد الحداثة — في السياق العربي — حالةً مستوردة قبل أوانها، أو قفزًا فوق مراحل لم تُنجز بعد.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب “حقب عربية” بالمعنى الزمني، بل في غياب التحولات البنيوية التي تُنتج هذه الحقب. فالتاريخ ليس تقويمًا، بل ديناميةُ وعيٍ يتشكل عبر الصراع والنقد وإعادة البناء. وما لم يتحول العقل العربي من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج، ستظل الحداثة عنده سؤالًا مؤجلًا، وما بعدها وهمًا نظريًا بلا أرضية.
في النهاية، يمكن القول:
إن الحداثة لم تفشل بقدر ما كشفت حدودها، وما بعد الحداثة لم تُلغِ المعنى، بل بعثرته. أما في السياق العربي، فإن السؤال لم يُحسم بعد: هل نحن بصدد كتابة حداثتنا الخاصة، أم أننا لا نزال نعيش في هوامش سرديات الآخرين؟
ذلك هو السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي… ولم يُجب عنه بعد.