في هذا الوطن المكلوم قد تستيقظ صباحًا على صوت مجنزرة في الشارع… ثم تقرأ في المساء بيانًا يخبرك أن راتبك هذا الشهر قد لا يتجاوز نصفه. وبين الصوتين يقف المواطن الفلسطيني حائرًا يسأل بهدوءٍ موجع كيف نعبر هذه الأيام الثقيلة… ؟ومن يقود الطريق؟
ندخل اليوم الأسبوع الثالث من شهر رمضان المبارك، والأسبوع الثاني للحرب اللعينة التي تخيّم على صدورنا جميعًا. قلقٌ في البيوت وخوفٌ في القلوب وارتباكٌ في الشوارع وضيق حالٍ يثقل كاهل الناس. حالة عامة من الإنهاك الطويل والقاتل يعيشها المواطن الفلسطيني، بينما في الجهة المقابلة تمضي آلة الاحتلال بثباتٍ بارد وتتمدد وتبدّل أشكال حضورها يومًا بعد يوم.
المؤلم في المشهد ليس فقط ما يفعله الاحتلال، بل أن كثيرًا من تفاصيل ما يجري تمرّ وكأنها أصبحت اعتيادية وكأن أعيننا تعبت من كثرة ما رأت حتى صارت أخطر الوقائع تمرّ بلا نقاشٍ كافٍ.
الضفة الغربية تتعرض اليوم لوقائع ميدانية ثقيلة: اجتياحات للمخيمات والقرى في معظم المدن واقتحامات متكررة ومشهد المجنزرات العسكرية الثقيلة وهي تسير في شوارعنا وأحيائنا، في صورة لم نعتد رؤيتها بهذا الشكل في تاريخ الصراع داخل مدن الضفة. منازل يُطلب من أهلها إخلاؤها قسرا ثم تتحول فجأة إلى ثكنات عسكرية لقوات جيش الاحتلال.
وفي لحظة أخرى ومن زاوية مختلفة تمامًا، تعلن وزارة المالية الفلسطينية أن نسبة الراتب لهذا الشهر قد تنخفض إلى أربعين بالمئة وربما إلى خمسين بالمئة في أفضل الأحوال.
وهكذا يجد المواطن نفسه بين ضغطين قاسيين في الوقت ذاته: ضغط الاحتلال على الأرض… وضغط الضيق الاقتصادي داخل البيت.
وفي هذه المسافة الضيقة بين الاثنين تتغير تفاصيل الحياة اليومية.
شوارع هادئة أكثر مما يجب في نهار وليالي رمضان. ومع ذلك ترى بعض رجال الشرطة البواسل يقفون في أماكنهم ويقدمون ما يستطيعون من خدمة للناس. مشهد بسيط لكنه عميق: شرطي يساعد مواطنًا تعطلت مركبته القديمة غير المرخصة ولا المؤمَّنة وربما الخالية من الوقود أصلًا. يدفعها معه إلى جانب الطريق بانتظار أن يجد صاحبها من يستدين منه بضعة شواقل ليشتري لترًا من البنزين… ثم يعود إلى بيته محمّلًا بكسر الخاطر… وبنصف كيلو من القطايف “على الدين “.
هذه ليست قصة عابرة فهذه صورة مكثفة لحال المجتمع كله.
ومن هنا يبدأ السؤال الكبير الذي يدور في رؤوس الناس وقلوبهم: ما العمل؟ وماذا يجب أن نفعل؟
لا أحد يملك صلاحية إعفاء أي جهة من المسؤولية في مثل هذه اللحظات. فالحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تبحث عن كل ما يمكن أن يخفف عن الناس هذا الثقل المركب ،ثقل الحرب وثقل الضيق الاقتصادي.
لكن المشكلة أن المواطن الفلسطيني وهو يبحث عن هذه الحكومة يجد نفسه أحيانًا في حيرة لطيفة… فالحكومة موجودة نظريًا نعم ونحن نحفظ بعض أسماءها في البيانات الرسمية ليس إلا ولكن كثيرين يتساءلون بهدوء: أين هي اليوم؟ هل هي هنا بين الناس؟ أم خارج البلاد؟ أم ربما موجودة معنا جغرافيًا لكنها بعيدة فكريًا ونفسيًا عن تفاصيل هذا الألم اليومي؟
لا نعرف على وجه الدقة.
كل ما نعرفه أن المواطن هنا… والأزمة هنا… والقطايف هناااااااك… أما الحكومة فوجودها يبدو أحيانًا أشبه بفكرة أكثر منه مشهدًا.
وفي خضم هذا كله يدور في الشارع سؤال مشروع: هل يمكن أن يساعد إعلان حالة الطوارئ في تخفيف جزء من هذه الأعباء؟ هل يمكن أن يمنح المؤسسات قدرة أكبر على التحرك السريع وتنظيم الموارد المحدودة بطريقة أكثر فاعلية؟ لا أدري… وربما لا يدري كثيرون.
كما يتساءل الناس أيضًا بهدوء وصدق: هل الاستمرار بالذهاب إلى الانتخابات المحلية في هذه الظروف القاسية يبدو أمرًا طبيعيًا؟ أم أن اللحظة الوطنية تحتاج إلى ترتيبٍ مختلف للأولويات؟
ليست هذه أسئلة اتهام… بل أسئلة قلق صادق يطرحها الناس وهم يحاولون فهم الطريق.
لكن الحقيقة الأعمق التي يجب ألا ننساها أبدًا أن قوة المجتمع الفلسطيني لم تكن يومًا مرتبطة فقط بوجود حكومة أو مؤسسة. ففي الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تلك الانتفاضة المجيدة التي صنعها الناس بصدورهم العارية وإرادتهم الصلبة، لم يكن لدينا حكومة تدير الحياة اليومية ومع ذلك استطاع المجتمع الفلسطيني أن يبتكر واحدة من أعظم صور التكافل الاجتماعي في تاريخه.
كان الناس يسندون بعضهم بعضًا. كان الجار سندًا لجاره وكانت العائلة تمتد لتصبح شبكة أمانٍ لحيٍ كامل.
وهذا ما يجعل السؤال الأهم اليوم ليس فقط: ماذا يجب أن تفعل الحكومة؟ بل أيضًا: ماذا يجب أن نفعل نحن؟
كيف نستعيد روح التكافل؟ كيف نحمي بعضنا بعضًا من الانكسار؟ كيف نعيد للشارع شيئًا من الحياة حتى في أصعب الظروف؟
يا أيها الشعب الفلسطيني العظيم…
لقد مرّت على هذا الشعب أيام أصعب من هذه الأيام ولكنه كان دائمًا يجد طريقه إلى الوقوف من جديد.
فلا تتركوا القلق يأكل قلوبكم ولا تتركوا الضيق يطفئ نور التضامن بينكم.
اقترحوا… ناقشوا… طالبوا… وتكاتفوا.
فالأوطان لا تنقذها الحكومات وحدها “وبالذات هذه الحكومة” ولا تصمد بالشعارات وحدها بل تصمد حين يتحول القلق في قلوب الناس إلى إرادة حياة.
وهذه الإرادة… لا يزال الشعب الفلسطيني الجبار يعرف كيف يصنعها.
وشدي حيلك يا بلد واسرجي خيلك يا فتح .








