كثيرون هم الذين كتبوا وانتقدوا الحرب التي اندلعت في غزة، وكثيرون من هؤلاء لم يكتبوا من مواقع التنظير، بل من قلب الفاجعة، بعد أن خسروا بيوتهم، وأبناءهم، وعائلاتهم، ومستقبلهم. هؤلاء لم يكتبوا ترفًا، بل لأنهم دفعوا الثمن كاملًا، ولأن من حق من يدفع الدم أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟
إن الحقيقة التي لا يجوز القفز عنها هي أن حماس أخطأت خطأً جسيمًا عندما ذهبت إلى حرب بهذا الحجم من دون حساب دقيق لتوازن القوى، ولا لتبعات الخسارة، ولا لحجم الكارثة الإنسانية المتوقعة على شعب أعزل ومحاصر. والأخطر من ذلك، أنها أقدمت على قرار مصيري من دون تشاور وطني شامل، لا مع السلطة الفلسطينية، ولا مع منظمة التحرير، ولا مع الفصائل، ولا مع المكوّن الوطني الأوسع للشعب الفلسطيني.
الحرب ليست شعارًا، والمقاومة ليست قرار فصيل منفرد، بل مسؤولية وطن بأكمله. وعندما تُتخذ قرارات كبرى خارج إطار الإجماع الوطني، فإن الشعب هو من يدفع الثمن وحده، دمًا وتهجيرًا ودمارًا، بينما يختبئ البعض خلف خطاب البطولة.
وفي خضم هذه المأساة، يخرج علينا أصحاب المزاودات من خلف الشاشات، يهاجمون كل صوت نقدي، ويخوّنون كل من يسأل، وهم أنفسهم لم يفقدوا بيتًا، ولم يحملوا طفلًا من تحت الركام، ولم يعيشوا ليلة واحدة تحت القصف. هؤلاء يتقنون إطلاق النار بالكلمات، لكنهم أول من يفرّ عندما يُطلب منهم فعل حقيقي أو ثمن حقيقي.
نحن لا نريد كلمات تُطلق في الهواء، ولا خطابات تعبّئ المقابر.
نريد سياسة وطنية رشيدة، ومقاومة بعقل، وقرارًا جماعيًا، لا مغامرات فردية.
ومن هنا، فإن الدعوة الصادقة اليوم—من حركة فتح، ومن السلطة الفلسطينية، ومن كل القوى الوطنية—هي دعوة واضحة وصريحة إلى الوحدة الوطنية تحت مظلة واحدة، مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، على قاعدة الشراكة، واحترام القرار الجماعي، وتقديم مصلحة الشعب فوق أي فصيل أو أيديولوجيا.
فلسطين لا تُحرَّر بالانقسام، ولا تُحمى بالمزاودة، ولا تُصان بالخطأ المتكرر.
تُحرَّر بوحدة القرار، وبحساب الخسارة قبل المعركة، وبوضع الإنسان الفلسطيني في قلب أي خيار.
أما أبواق المزاودة، فقد آن لها أن تصمت.
كفى موتًا.
كفى تشريدًا.
كفى تحويل شعبنا إلى ضحية دائمة لقرارات لا يُستشار فيها.
فلسطين تحتاج شجاعة الاعتراف بالخطأ،
وشجاعة تصحيحه،
وشجاعة السير معًا… لا كلٌ في طريقه.






