بين الضغط والفرصة… هل اقترب الاتفاق بين واشنطن وطهران؟

هدى رؤوف

لا يرى الرئيس الأميركى دونالد ترمب أن التفاوض والعمل العسكري خياران بديلان منفصلان تماماً، ويعتقد أن التهديد بالعمل العسكري قد يساعده على التوصل إلى اتفاق تفاوضي أفضل، لذا نجد التلويح بالعمل العسكرى يسير جنباً إلى جنب مع دعوات التفاوض المباشر بين الطرفين.

وفي خلفية مقاربة ترمب المزدوجة نحو إيران، تنساب تصريحات عدة من المسؤولين الأميركيين والإيرانيين. الرسالة التي تصل من الجانب الأميركي هي وجود رؤيتين داخل إدارة واشنطن بخصوص التعامل في شأن البرنامج النووي الإيراني، الممثل الخاص لدونالد ترمب للشؤون الخارجية، ستيف ويتاكر، وفيرميون وإيلون ماسك، ويمثلون رؤية أكثر توازناً وتوجهاً نحو الاقتصاد في ما يتصل بالقضية النووية الإيرانية، في حين يتبنى ماركو روبيو ومايك والتز وجهة نظر أكثر صرامة، لذا ربما يفسر وجود وجهتى نظر مختلفتين مقاربة ترمب التي تمزج بين التهديد بالعمل العسكري والدعوة إلى التفاوض، وهو ما يضفي حالاً من عدم اليقين على موقفه، ويجعل تصريحاته تبدو وكأنها تتغير من وقت إلى آخر، لكن في النهاية وعلى رغم وجهتي النظر المختلفتين داخل إدارته فإن ترمب هو من سيحسم الموقف تجاه إيران.

الأمر نفسه ينطبق على موقف إسرائيل، فقد ألمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت سابق إلى احتمال القيام بعمل عسكري إسرائيلي، مشيراً في الوقت نفسه إلى تفضيله الحل الدبلوماسي من خلال المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة،

لذا تبدو التصريحات الأميركية والإسرائيلية وكأنها مزيج من الضغط والفرصة، التي على إيران أن تقرر موقفها في سياقها.

أما على الجانب الآخر وهو التصريحات الإيرانية، فالرسالة التي يتم إيصالها هي الموافقة على مبدأ التفاوض لكن غير المباشر، ومع رفع العقوبات لا تريد إيران أن تبدو وكأنها دُفعت دفعاً نحو التفاوض ومن ثم ستقدم تنازلات، تريد التفاوض من موضع قوة، وحفظ ماء وجهها.

إن التفاوض مع ترمب لن يكون سهلاً بالنسبة إلى إيران على مستوى الإدراك النفسي، فمن جهة ترمب يُنظر إليه داخل إيران على اعتبار علاقة ثأر بينهما، على خلفية مقتل قاسم سليماني، ومن جهة أخرى حال دخول إيران المفاوضات، فإنها ستتفاوض في مرحلة تراجع فيها نفوذها في سوريا وضعفت الأذرع الإقليمية التي تعتمد عليها في إستراتيجيتها الإقليمية وتمثل القوة الأساس لإستراتيجية إيران الدفاعية والمعروفة بالدفاع الأمامي.

لم تذكر إيران أنها تتفاوض، أكد فقط المسؤولون الإيرانيون أن طريق المفاوضات غير المباشرة مفتوح، لكن الواقع أن ستيف ويتاكر وترمب هما من أكدا أن المفاوضات غير المباشرة مع إيران جارية.

فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع شبكة “أن بي سي نيوز” الأميركية، بلهجة تهديدية ضد إيران “إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران ولم نحصل على ضمانات بأنها لن تصنع أسلحة نووية، فسيُقصف هذا البلد”.

تهديدات ترمب تأتي بعد إرسال طهران رداً على رسالته من خلال سلطنة عمان، إذ تم تأكيد – وفقاً للرئيس الإيراني – رفض مسألة المفاوضات المباشرة بين الجانبين، معتبراً أن مسار المفاوضات غير المباشرة مفتوح، وشدد على أن إيران لم تتهرب قط من المفاوضات، وأن إخلال واشنطن بالوعود هو ما تسبب في مشكلات في هذا المسار، ويجب تعويضه واستعادة الثقة.

هنا تبرز المشكلة بين إيران وواشنطن وهى مسألة عدم الثقة، لذا تريد إيران أن تقول إن سلوك واشنطن هو ما يحدد استمرار مسار المفاوضات، لكن من جهة أخرى فإن هذا تكتيك تفاوضي تتبعه طهران من أجل عدم تقديم تنازلات لا تريدها والحصول على المكاسب التي تريدها، وهو رفع العقوبات.

سبق وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي “سياستنا لا تزال تتمثل في عدم التفاوض بشكل مباشر في ظل ظروف الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية، لكن المفاوضات غير المباشرة، كما كانت موجودة في الماضي، يمكن أن تستمر”.

تزامناً مع إعلان إيران استعدادها للمفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، أكد رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، سيد كمال خرازي، أن إيران لم تغلق جميع المنافذ، لكنها مستعدة للمفاوضات غير المباشرة لتقييم الطرف الآخر وإعلان شروطه واتخاذ القرار المناسب.

كما صرح الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجانى، أن إيران أجرت دائماً محادثات غير مباشرة مع الأميركيين، ولذلك تنص الرسالة على أن طهران مستعدة لإجراء محادثات غير مباشرة، وإذا كانت المحادثات من موقف متكافئ، فهناك استعداد لاتخاذ الخطوات التالية للمحادثات.

لكن على رغم تأكيد لاريجاني سلمية البرنامج النووي الإيراني، فإنه لم يتردد في إظهار نوع من التهديد حال قُصفت إيران، فقال إن “فتوى القيادة هي أننا لا نتجه نحو الأسلحة النووية، إيران لن تتجه نحو امتلاك الأسلحة النووية إلا إذا أجبرتنا الولايات المتحدة على اتخاذ قرار آخر”.

وهو تصريح أُعلن منذ عام أن إيران ستغير عقيدتها النووية حال قُصفت منشآتها من جانب إسرائيل أو اشنطن.

التصريح الأهم الذي يؤكد أن إيران متيقنة من إبرام الاتفاق مع ترمب، هو ما قاله علي لاريجاني في مقابلة إخبارية خاصة، في إشارة إلى رسالة ترمب “قد تكون لهذه الرسالة أسباب كثيرة”، ترمب نفسه لديه السمات الشخصية التي تجعله يرغب في إنهاء كل شيء باسمه، وتتمتع إيران أيضاً بقدرة خاصة في هذه الأعوام.

هذا التصريح يؤكد أن إيران متيقنة من رغبة ترمب في إبرام اتفاق معها يسجل فيه باعتباره أتم الاتفاق الأهم الذى سيحجم قدراتها وسلوكها، وليس الإدارات السابقة.

في المجمل فإن رسائل إيران لترمب هي أنها على استعداد للتفاوض فقط حول برنامجها النووي بناء على اتفاق 2015 والاحترام المتبادل، ومعارضتها أية مفاوضات حول قدراتها الدفاعية والصاروخية.

*نقلاً عن “إندبندنت عربية”