بين الفتاوى والقانون.. القصة الكاملة لأزمة التبرع بالأعضاء في مصر

السياسي -متابعات

في توقيت بالغ الحساسية، عاد ملف التبرع بالأعضاء البشرية إلى صدارة المشهد العام في مصر، مدفوعاً بنداء إنساني مؤثر أطلقه جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب، أعقبه مقترح برلماني لتأسيس بنك وطني للأنسجة، ليكشف عن أزمة مركبة تتداخل فيها المخاوف الدينية، والثغرات التطبيقية، وضعف الوعي المجتمعي، رغم وجود قانون منظم وفتاوى شرعية حاسمة.

نداء لإنقاذ الأرواح

قبل أسبوع، استغل الدكتور مجدي يعقوب ظهوره في حلقة استثنائية مع الإعلامية منى الشاذلي، ليوجه رسالة صريحة إلى المصريين، شعباً ومسؤولين، دعا فيها إلى الإسراع بتفعيل وتقنين منظومة زراعة الأعضاء، مؤكداً أن غيابها يتسبب في وفاة آلاف المرضى يومياً، لا سيما من الشباب والأطفال.

وشدد يعقوب على أن الخوف السائد من التبرع بعد الوفاة يعود بالأساس إلى هواجس شعبية عن الاتجار بالأعضاء، رغم وجود ضمانات قانونية وطبية صارمة تحول دون أي تلاعب، مشيراً إلى أن تبرعاً واحداً قد ينقذ أسر كاملة، ومطالباً بضرورة موافقة المجتمع ذاته باعتباره الطرف المتبرع وصاحب القرار وصاحب المخاوف أيضاً.

مقترح برلماني بإنشاء بنك التبرع بالجلد

لم تمض أيام قليلة على لقاء مجدي يعقوب، حتى تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ المصري، بمقترح لتنظيم التبرع بالجلد والأنسجة البشرية بعد الوفاة، وإنشاء بنك وطني للأنسجة، بهدف تسهيل إجراءات التبرع وتقليل الاعتماد على الاستيراد مرتفع التكلفة.

هذا المقترح فجّر جدلاً مجتمعياً واسعاً، وأعاد تسليط الضوء على ملف ظل معلقاً لسنوات، رغم صدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية منذ نحو 16 عاماً، ولائحته التنفيذية منذ 15 عاماً، دون اكتمال بنية تحتية فعالة لوجود بنوك للأعضاء والأنسجة على أرض الواقع.

وجاءت الدعوة لفتح هذا النقاش تحت شعار “من أجل الحق في الحياة”، في ظل معاناة آلاف الأسر التي تبحث عن متبرعين أو توافق مناسب لزراعة الأعضاء، وسط تساؤلات متكررة حول أسباب تعطل هذا الملف الحيوي.

موقف القانون المصري من التبرع بالأعضاء

ينظم قانون زرع الأعضاء البشرية في مصر عمليات نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة عبر منظومة من الضوابط الصارمة، تحظر أي صورة من صور البيع أو الشراء أو تحقيق منفعة مادية، وتشترط أن يكون التبرع صادراً عن إرادة حرة مكتوبة، وخالياً من أي إكراه.

ويجيز القانون الزرع في حالات الضرورة الطبية القصوى فقط، وبما لا يعرض حياة المتبرع لخطر جسيم، كما يحظر تماماً أي عمليات من شأنها اختلاط الأنساب.

كذلك يسمح بنقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي، شريطة وجود وصية موثقة أو إقرار رسمي قبل الوفاة، والالتزام الكامل بالإجراءات الطبية والقانونية التي تصون كرامة الإنسان حياً وميتاً.

رأي دار الإفتاء المصرية في التبرع بالأعضاء

على الصعيد الديني، حسمت دار الإفتاء المصرية هذا الجدل الفقهي مراراً، مؤكدة أن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعاً، إذا توافرت الضرورة الطبية، والتزم النقل بالضوابط الشرعية والقانونية، وبعيداً عن أي صورة من صور التجارة أو الاستغلال.

وأوضحت دار الإفتاء أن الانتفاع بجلد الإنسان المتوفى أو أعضائه لإنقاذ حياة الآخرين يعد من أسمى صور الصدقة الجارية، بشرط التحقق من الوفاة تحققا شرعياً كاملاً، وألا يؤدي النقل إلى امتهان كرامة الآدمي أو تحويل جسده إلى سلعة.

لماذا يرفض المصريون التبرع بالأعضاء؟

رغم هذا الحسم الديني الواضح، تكشف تقارير وإحصاءات عن فجوة كبيرة بين الفتاوى الرسمية في هذا الشأن ووعي الشارع، إذ أظهرت هذه التقارير أن قطاعاً واسعاً من المواطنين لم يسمع من الأساس عن فتاوى تجيز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، أو لم تصل إليه بصورة واضحة ومباشرة، أو حتى سمع بها لكنه غير مقتنع.

وبين الرفض المطلق للفكرة، والخوف منها، ينظر كثيرون إلى التبرع بالأعضاء باعتباره انتهاكاً لأمانة الجسد التي وهبها الله للإنسان، ويعتقدون أن التبرع بعد الوفاة أمر محرم، رغم وجود حملات توعوية منظمة تشرح الأبعاد الدينية والقانونية والطبية للقضية.

ولا تتوقف أسباب الرفض عند البعد الديني فقط، بل تمتد إلى مخاوف تتعلق بآليات التطبيق، حيث يطرح كثيرون تساؤلات حول وجود ضمانات حقيقية تحول دون التلاعب بالأعضاء المتبرع بها، أو إساءة توجيهها، ومنحها لمن لا يستحق، فضلاً عن إمكانية زيادة الجرائم المتعلقة بتجارة الأعضاء.

واقع صادم في علاج الحروق

أكدت هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، أن الجدل المثار حول مقترح التبرع بالجلد انحرف عن جوهره الإنساني، مشددة على أن القضية تتعلق بإنقاذ الأرواح، وفي مقدمتهم الأطفال ضحايا الحروق.

وأوضحت أن التبرع لا يقتصر على الجلد فقط، بل يشمل أعضاء حيوية مثل القلب والكبد والكلى والقرنية، والتي تمثل في كثير من الحالات الفرصة الأخيرة للبقاء على قيد الحياة، مؤكدة أن قرار التبرع بعد الوفاة يظل خياراً شخصياً حراً لا يجوز فرضه، لكن لا ينبغي شيطنة أو تخوين من يختار هذا المسار.

واستندت السويدي إلى تجربتها الشخصية، كاشفة أن والدها حصل على عشر سنوات إضافية من الحياة بعد عملية نقل كبد، واصفة التبرع بالأعضاء بأنه من أعظم صور الصدقة الجارية.

وكشفت السويدي عن فجوة خطيرة في نسب النجاة من الحروق الخطيرة في مصر، حيث لا تتجاوز 20%، مقارنة بنحو 90% في الدول التي تمتلك منظومة متكاملة لزراعة الجلد المتبرع به، مشيرةً إلى أن مستشفى أهل مصر يضطر حالياً لاستيراد الجلد من الخارج لإنقاذ المصابين، خاصة الأطفال الرضع الذين لا تتوافر لديهم مساحات سليمة للترقيع.

وتساءلت عن التناقض في قبول استيراد القرنيات لعلاج فقدان البصر، ورفض فكرة التبرع المحلي.

مواقف معلنة للمشاهير

على مدار سنوات، لاقت فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة دعماً من عدد من الفنانين والإعلاميين والمثقفين، الذين أعلنوا استعدادهم لتوثيق التبرع رسمياً، من بينهم الإعلامي عمرو أديب، والإعلامية منى عبد الغني، والإعلامي والسيناريست محمد الغيطي، والإعلامي أحمد سالم، والفنانة إلهام شاهين، والفنانة نورهان، والكاتبة فريدة الشوباشي، في محاولات لكسر الحاجز النفسي وفتح نقاش مجتمعي أوسع.

تعليق رسمي من وزارة الصحة المصرية

وفي أول رد رسمي، أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، أن التبرع بالجلد والأنسجة بعد الوفاة خطوة إنسانية مهمة تسهم في إنقاذ الأرواح، لا سيما مرضى الحروق، مشيراً إلى أن القانون المصري ينظم هذا الأمر بوضوح.

وأوضح أن التبرع بالجلد لا يسبب أي تشوهات للمتوفى، حيث يتم أخذ طبقة رقيقة جداً من مناطق غير ظاهرة بالجسم، دون التأثير على المظهر العام، مؤكداً أن التحدي الأكبر يكمن في رفع الوعي المجتمعي، وليس في الجوانب الطبية أو التشريعية.

وبين نداء طبي، وحسم ديني قاطع، وإطار قانوني قائم لكنه يحتاج إلى تفعيل على أرض الواقع، يبقى ملف التبرع بالأعضاء والأنسجة في مصر رهيناً بمدى قدرة المجتمع على تجاوز مخاوفه، وبناء الثقة في منظومة التطبيق، وتحويل التبرع من فكرة مثيرة للجدل إلى ثقافة حياة، تنقذ الآلاف، وتمنح أملاً جديداً لمن ينتظرون فرصة أخرى للبقاء.