بين المحاور والحاضنة الشعبية: إلى أين تمضي سياسة حماس في زمن العواصف الإقليمية؟..

بقلم:م. محمد علي العايدي

في خضمّ الحرب الإقليمية المتسارعة، جاء بيان حركة حماس المندد بالهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران ليكشف من جديد طبيعة المأزق السياسي الذي تعيشه الحركة بين خطابها العقائدي وتحالفاتها الإقليمية من جهة، وبين حساسيات الواقع العربي والفلسطيني من جهة أخرى. فالصمت تجاه الضربات الإيرانية التي طالت دولًا خليجية، وبينها قطر التي استضافت قيادات الحركة وقدمت دعمًا ماليًا وإنسانيًا كبيرًا لحماس ، لم يُقرأ عربيًا باعتباره تفصيلًا عابرًا، بل اعتُبر مؤشرًا على اختلال في ميزان الرسائل السياسية التي تبعثها الحركة إلى محيطها.

سياسة حماس منذ نشأتها قامت على مبدأ “تعدد الرعاة وتوازن المحاور”، لكنها في السنوات الأخيرة مالت بوضوح إلى التموضع ضمن ما سمي بمحور المقاومة، حيث شكّلت إيران رافعة عسكرية ومالية مهمة لها، خصوصًا بعد القطيعة مع بعض العواصم العربية إثر أحداث ما بعد 2011. هذا التموضع منح الحركة أوراق قوة ميدانية، لكنه قيّد هامشها السياسي، وجعل بياناتها تُقرأ أحيانًا باعتبارها انعكاسًا لحسابات الحلفاء أكثر من تعبيرها عن مزاج الشارع الفلسطيني الذي ينظر بعين القلق لأي صدام عربي–عربي أو عربي–إقليمي.

إن تجاهل الاعتداءات على دول خليجية لا يمكن فصله عن حساسية المشهد الفلسطيني ذاته. فالقضية الفلسطينية تاريخيًا كانت جامعةً لا مُفرِّقة، واستمدت قوتها من احتضان عربي واسع، رسميًا وشعبيًا. وفي حين أن بعض الحكومات الخليجية سلكت مسارات تطبيع أثارت غضبًا شعبيًا فلسطينيًا وعربيًا، فإن دولًا أخرى بقيت على مواقف داعمة سياسيًا وماليًا، بينها المملكة العربية السعودية والكويت. تجاهل هذه المعادلة المعقدة يضع حماس في مواجهة أسئلة صعبة: هل أولويتها بناء محور إقليمي صلب، أم الحفاظ على شبكة أمان عربية أوسع، حتى وإن كانت متباينة المواقف؟

الواقع أن الحركة تقف أمام اختبار نضج سياسي. فالمقاومة ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل إدارة تحالفات وتقدير مآلات. وإذا كانت إيران ترى في دعمها لحماس جزءًا من صراعها الاستراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة، فإن حماس مطالبة بتذكّر أن قضيتها ليست ورقة في يد أحد، بل قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال. إن التماهي الكامل مع أي محور إقليمي قد يوفّر سندًا آنياً، لكنه يحمّل القضية أثمانًا مستقبلية حين تتبدل التحالفات وتتغير الخرائط.

أما عن بقاء قيادة حماس في قطر، فذلك مرهون بحسابات متعددة تتجاوز رغبة الحركة وحدها. قطر لطالما لعبت دور الوسيط بين حماس وأطراف دولية، واسرائيليه ووفرت غطاءً سياسيًا سمح بإدارة ملفات التهدئة والإعمار. لكن استمرار هذا الدور يتطلب من الحركة قدرًا من الاتزان في خطابها، لأن الدوحة بدورها تحسب خطواتها في بيئة خليجية حساسة. وفي حال اشتد الاستقطاب الإقليمي، قد تجد القيادة نفسها مضطرة لإعادة التموضع، سواء بالبقاء بشروط أكثر دقة، أو بالانتقال إلى عواصم أخرى أقل قدرة على لعب دور الوسيط.

المستقبل الذي ينتظر قيادة حماس لن تحدده البيانات وحدها، بل قدرتها على إعادة تعريف علاقتها بالبيت الفلسطيني الداخلي. فالتجربة أثبتت أن أي حركة مقاومة تفقد عمقها الشعبي تخسر رصيدها المعنوي مهما امتلكت من دعم خارجي. الحضن الدافئ الحقيقي ليس عاصمة بعيدة، بل الشارع الفلسطيني ذاته، وإطار الشرعية الوطنية المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها العنوان السياسي المعترف به دوليًا. إعادة بناء الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وصياغة استراتيجية مشتركة، هي الضمانة الوحيدة لعدم ارتهان القرار الفلسطيني لتجاذبات المحاور.

إن قوة حماس — أو أي فصيل فلسطيني — لا تقاس بصلابة خطابها، بل بقدرتها على الجمع بين الثبات على الحق والمرونة في السياسة. المنطقة مقبلة على تحولات عميقة، وقد تخرج من هذه الحرب بخرائط نفوذ جديدة. فإذا أرادت حماس أن تبقى فاعلًا وطنيًا جامعًا، فعليها أن تعيد توجيه بوصلتها نحو الإجماع الفلسطيني أولًا، وأن توازن علاقاتها الإقليمية بما يحفظ كرامة شعبها ويصون استقلال قرارها. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في محور، وأبقى من أن تُربط بمصير تحالف عابر؛ وهي في نهاية المطاف أمانة في أعناق أبنائها قبل أن تكون ورقة في حسابات الآخرين