بين ذاكرة الثورة وأمانة الدولة… فلسطين تبحث عن عبورها الكبير

بقلم: شادي عياد

في تاريخ الشعوب، تمر لحظات تصبح فيها القيادة أكثر من منصب والمسؤولية أكبر من السياسة، والوطن أكبر من كل الحسابات الصغيرة.

وفلسطين تعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات الثقيلة…

لحظة تختلط فيها السياسة بالاقتصاد والأمل بالخوف، وصمود الناس بثقل الأيام، فيما تتغير خرائط المنطقة والعالم بسرعة غير مسبوقة، وتبقى فلسطين مطالبة كل صباح بأن تدافع عن حقها في البقاء، قبل أن تدافع عن حقها في المستقبل.

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، مرورًا بالخروج من المنافي والحصار والحروب والانتفاضات والمعارك السياسية والدبلوماسية، وصولًا إلى معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على خارطة العالم، كان المشروع الوطني الفلسطيني يسير فوق الجمر، لكنه لم يسقط.

بقي واقفًا…

لأن رجالًا آمنوا بأن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال، بل بالصبر والرؤية والقدرة على حماية الحلم حتى في أصعب اللحظات.

في قلب هذه المسيرة يقف السيد الرئيس محمود عباس “أبو مازن”، أحد الحراس الأوائل لفكرة الدولة الفلسطينية، وأحد آخر شهود البدايات الكبار، ممن حملوا أمانة المؤسسين وساروا بها وسط العواصف الدولية والإقليمية، محافظين على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وعلى الشخصية السياسية والقانونية لشعب فلسطين، في زمن حاول كثيرون فيه تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد خبر عابر في نشرات العالم.

وإلى جانبه يقف الأخ حسين الشيخ “أبو جهاد”، ابن مدرسة الحركة الوطنية الفلسطينية، الذي وجد نفسه في قلب أكثر المراحل تعقيدًا، حيث لم تعد المعركة تدور فقط على حدود الجغرافيا، بل داخل تفاصيل الحياة اليومية للناس؛ في لقمة العيش وفي صمود المؤسسات وفي قدرة المواطن الفلسطيني على البقاء ثابتًا فوق أرضه رغم كل الضغوط.

ما يجمع الرجلين ليس تشابه المواقع…

بل تشابه الإحساس بثقل الأمانة.

أحدهما يحمل ذاكرة الثورة بكل ما فيها من دروس وتجارب وتضحيات.

والآخر يحمل مسؤولية العبور بالمشروع الوطني نحو المستقبل بكل ما فيه من تحديات وأسئلة كبرى.

وبين الذاكرة والمسؤولية، تتشكل معادلة فلسطينية صعبة ودقيقة، عنوانها حماية البيت الفلسطيني، وصون المؤسسات الوطنية، ومنع انزلاق القضية الفلسطينية إلى المجهول وسط زمنٍ يزداد اضطرابًا وقسوة.

يعرفان أن الموظف الذي ينتظر راتبه ليس رقمًا في الموازنة…

وأن المزارع الذي يتمسك بأرضه ليس مجرد منتجٍ اقتصادي…

وأن المعلم الذي يواصل رسالته رغم التعب ليس موظفًا فقط…

وأن التاجر الذي يقاوم الركود، والشاب الذي يتمسك بحلمه داخل وطنه، والأم التي تخبئ قلقها خلف ابتسامتها لأطفالها، جميعهم جنود مجهولون في معركة الصمود الوطني.

لقد علمتنا التجربة الفلسطينية الطويلة أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُبنى بالغضب وحده، بل برجال دولة يملكون القدرة على قراءة العالم كما هو، والتعامل مع الوقائع كما هي، دون أن يفقدوا بوصلتهم الوطنية أو إيمانهم بحق شعبهم في الحرية والكرامة والاستقلال.

واليوم…

وفي ظل التحديات الاقتصادية الخانقة، والتحولات السياسية الكبرى، والمشاريع التي تستهدف الأرض والهوية والحقوق الوطنية، ينظر كثير من الفلسطينيين إلى هذه الشراكة السياسية باعتبارها رهانًا على الحكمة والخبرة والمسؤولية، وفرصةً لعبور المرحلة الأصعب نحو مرحلة أكثر استقرارًا وعدالةً وأملًا.

لا أحد ينتظر المعجزات…

لكن الجميع ينتظر أن تبقى فلسطين واقفة.

وأن يبقى القرار الوطني الفلسطيني حرًا.

وأن يبقى هذا الشعب قادرًا على الحياة فوق أرضه مهما اشتدت العواصف.

أما نحن…

فنقف حيث يجب أن يقف أبناء فلسطين.

خلف وطننا.

وخلف مشروعنا الوطني.

وخلف كل يد تحمل همّ هذا الشعب، وتسعى لحماية كرامته وصموده ومستقبله.

لا نقف من باب التصفيق للأشخاص…

بل من باب الوفاء لفلسطين.

ومن باب الإيمان بأن هذه الأرض تستحق أن نبقى جميعًا في خندقها الواحد.

فما بين حكمة التجربة التي يمثلها أبو مازن، وحيوية المسؤولية التي يحملها أبو جهاد، يبقى الأمل الفلسطيني أكبر من التعب، وأقوى من الأزمات، وأوسع من كل محاولات الانكسار.

لأن فلسطين، التي نجت من النكبة والحروب والحصار والانقسام والعواصف، قادرةٌ أيضًا على أن تصنع مستقبلها.

ولأن الشعوب التي اعتادت صناعة التاريخ…

لا تخاف من صعوبته.

بل تعبره.

بقلم شادي عياد