تحليل عبري: ما الذي يدور في ذهن طهران، وإلى أي مدى هي مستعدة للذهاب؟

 راز زيميت باحث بارز في معهد دراسات الأمن القومي

د. راز زيميت يوضح لماذا لا ترى طهران في الوقت الحالي سببًا للاستسلام، ولماذا يثيرهم وقف إطلاق النار تقريبًا بقدر استمرار الحرب، وكيف يقنعون أنفسهم بأنه لا يزال بالإمكان تحويل الضغط عليهم إلى ورقة نفوذ إقليمية.

 

• بعد مرور ما يقارب شهر على اندلاع الحملة، لم يعد السؤال يقتصر على مقدار الضرر الذي لحَق بإيران، بل على كيفية تفسير القيادة في طهران للوضع.

• ومن يريد فهم العقل الإيراني، وسياق التفكير وراء تشديد الموقف، ورفض الاستسلام، والخوف من وقف إطلاق نار لن يدوم، يحصل هذه الأيام على إطار واضح جدًا من كلام الباحث في شؤون إيران الدكتور راز زيميت.

• الصورة التي يعرضها ليست لصورة نظام مستعجل على رفع اليد البيضاء، بل لقيادة مستعدة للدبلوماسية، لكن فقط إذا لم تُنظر إليها على أنها فخ يؤدي إلى الهجوم التالي.

• وفق هذا المنطق، بالنسبة لطهران، وقف إطلاق النار ليس بالضرورة خبرًا جيدًا. على العكس، السيناريو الأخطر بالنسبة لها هو وقف مؤقت فقط، يسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل بالتوقف للحظة، وإعادة التنظيم، ثم العودة لضربها من جديد.

• هذا الخوف ليس مجرد نظرية. فقد كتب “معهد الأمن القومى” بعد حرب الـ12 يومًا أن وقف إطلاق النار كان “هشًا”، وأن الحملة انتهت في مرحلة ما، لكنها لم تُحلّ حقًا. والآن، مع تمدد الحرب الحالية، هذه الفكرة متجذرة بعمق أكبر في الوعي الإيراني. لذلك، من منظور طهران، إذا حصل أي توقف، يجب أن يتضمن ضمانات واضحة بعدم وقوع أي هجوم آخر.

• هنا يبرز أيضًا سؤال الاستسلام، أو بدقة أكبر، عدم استعداد إيران حتى للتحدث بهذه اللغة.

• وفقًا لزيميت، الاستسلام ليس موجودًا في مفردات الجمهورية الإسلامية، وحتى الآن ليس مطروحًا على الطاولة.

* • لفهم السبب، يجب العودة إلى الصدمة المؤسسة للنخبة الحاكمة: حرب إيران-العراق. الأمر ليس مجرد ذكرى حرب صعبة، بل رواية عميقة عن الإذلال، والوقوف بمفردها أمام العالم، وفي النهاية شعور بـ”خنجر في ظهر الأمة”، كما لو أن القيادة حينها اضطرت لقبول وقف إطلاق النار تحت ضغط وخيانة داخلية. فكرة “كأس السم” هذه لا تزال تحوم فوق طهران حتى اليوم، وتؤثر على طريقة تفسير كبار النظام لكل مطلب أمريكي يُعتبر واسعًا جدًا.

• بهذا المعنى، يوضح زيميت أن هوية القيادة الحالية مهمة بقدر أهمية الوضع الميداني. فجزء كبير من النخبة الإيرانية مرتبط بجيل من خرج من الحرس الثوري وحرب إيران-العراق، ونمط تفكيرهم يقوم على الصبر والتضحية والتحمل تحت الضغط أكثر من التسوية السريعة. وحتى إذا كانوا مستعدين مستقبلاً لتقديم بعض التنازلات، فإن شعورهم الحالي هو أن تنازلًا مفاجئًا سيبدو كتكرار لتلك الصدمة التاريخية، ولكن في نسخة معاصرة.

• لكن زيميت لا يكتفي بالذاكرة التاريخية. فهو يرى أن طهران تعمل الآن وفق تقييم عملي جدًا قائم على أربع افتراضات:

1. بعد الضربة القاسية في الأيام الأولى من الحرب، تمكنت إيران من التكيف.

2. لا يوجد حاليًا تهديد حقيقي لاستقرار النظام. هذا الافتراض يدعمه أيضًا تقديرات غربية، تفيد بأن احتمال سقوط النظام منخفض، وأيضًا حقيقة أن قوات الأمن الإيرانية قد تكيفت بالفعل مع الهجمات على مقرات القيادة ومراكز الحكم.

 

• الافتراض الثالث، وربما الأخطر، هو ما يمكن تسميته بـ”وعي الإنجاز”. وفق قراءة زيميت، لا تؤمن طهران فقط بأنها ستنجو من الحرب، بل تعتقد أيضًا أنه من الممكن الخروج منها بتحقيق مكسب استراتيجي.

> ليس بالضرورة انتصارًا عسكريًا بالمعنى المباشر، بل تغييرًا في قواعد اللعبة. فالإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، واستهداف البنى التحتية في دول الخليج، والقدرة على زعزعة الاقتصاد العالمي، كلها تُرى لديهم ليس فقط كوسائل رد فعل، بل كأوراق يمكن استخدامها لفرض واقع إقليمي جديد في المستقبل، حيث يُعترف أكثر بالسيادة الإيرانية على المضائق، وبقدرتها على الإضرار، وربما حتى بالحاجة لتقليص الوجود الأمريكي في المنطقة.

 

• وتكشف التقارير الأخيرة عن المطالب الإيرانية، والتي تشمل الاعتراف بسيادة إيران على المضيق، ووقف الهجمات، وتعويضات عن أضرار الحرب، أن هذا التفكير ليس مجرد تمرين نظري، بل استراتيجية فعلية تتبناها القيادة الإيرانية.

• الافتراض الرابع يتعلق بدرجتين من التصعيد التي تراها طهران أمامها: إما ضربات أمريكية واسعة للبنى التحتية للطاقة والكهرباء، أو خطوة برية للسيطرة على المضائق أو على جزر استراتيجية مثل خارك أو أبو موسى.

 

• هنا أيضًا، وفق زيميت، لا يستهين الإيرانيون بالتهديد، لكنهم مقتنعون بقدرتهم على تعطيل مثل هذه الخطوات من خلال تصعيدهم الخاص. ففي حالة جزيرة خارك، على سبيل المثال، حتى إذا تمكن الأمريكيون من السيطرة على الجزيرة، تقدّر طهران أن القوات هناك ستتعرض لإطلاق نار مستمر، وأن الاقتصاد الإيراني ربما يتضرر لكنه لن ينهار فورًا، وفي الوقت نفسه ستظل إيران قادرة على جباية الثمن من المنطقة والأسواق.

 

• وهذا يتماشى أيضًا مع التحليلات التي نُشرت مؤخرًا في الولايات المتحدة، والتي تشير إلى أن الاستيلاء على جزيرة خارك قد يتحول من ورقة ضغط إلى فخ أمريكي مكلف وطويل الأمد. (( التقرير الذي تم نشره قبل قليل تحت عنوان، “الجزيرة التي يمكنها إشعال الخليج، والفخ الذي ينتظر الأمريكيين” ))

 

• لذلك، بحسب زيميت، طهران مستعدة للدبلوماسية، لكنها ليست مستعدة لدبلوماسية تقوم على الاستسلام. قد توافق على التفاوض، وربما على بعض التنازلات، لكنها ستطلب خطوطًا حمراء واضحة، وضمانات بعدم تجدد القتال، وتخفيف العقوبات، وإمكانية الحفاظ على جزء من قدراتها في مجالي النووي والصواريخ.

 

• كما أفادت وكالة رويترز اليوم، وصف مسؤول إيراني العرض الأمريكي بأنه “أحادي الجانب وغير عادل”، جزئيًا لأنه يطالب بالتخلي عن القدرات الدفاعية مقابل وعد غامض فقط بتخفيف العقوبات.

 

• • في الخلاصة، ما يقدمه زيميت ليس مجرد تحليل لمواقف إيران، بل مفتاح لفهم عقلها الاستراتيجي في هذه اللحظة.

• في طهران، لا يعتقدون بالضرورة أنهم يحققون انتصارًا، لكنهم بالتأكيد يعتقدون أنهم لم يُهزموا بعد.

• هم لا يرون أنفسهم طرفًا مضطرًا للاختيار بين الاستسلام والانهيار، بل كحكومة قادرة على التحمل، والتكيف، واستنزاف الخصم، وربما حتى تحسين مواقعها.

• قد يكون هذا تقديرًا خاطئًا، لكن طالما أنه تقييم القيادة في طهران، فالمعنى واضح: الطريق نحو تسوية لا تزال طويلة، والحرب قد تستمر لفترة أطول بكثير مما تأمل واشنطن، والقدس، وعواصم دول الخليج

هم لا يرون أنفسهم طرفًا مضطرًا للاختيار بين الاستسلام والانهيار، بل كحكومة قادرة على التحمل، والتكيف، واستنزاف الخصم، وربما حتى تحسين مواقعها. قد يكون هذا تقديرًا خاطئًا، لكن طالما أنه تقييم القيادة في طهران، فالمعنى واضح: الطريق نحو تسوية لا تزال طويلة، والحرب قد تستمر لفترة أطول بكثير مما تأمل واشنطن، والقدس، وعواصم دول الخليج.