ترامب بين خطاب إيقاف الحروب وواقع إشعال الجبهات

أبو الشريف رباح   

في خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتكرر الادعاء بأنه استطاع إيقاف عدة حروب في العالم وأنه أعاد السلام بالقوة إلى السياسة الدولية، لكن عند تفحص المشهد الملتهب تبدو الصورة أكثر تعقيدًا وتناقضًا، فمن جهة يعلن وقف النزاعات ومن جهة أخرى يوسع رقعة الحروب والتوترات ويشعل جبهات جديدة ويعيد خلط الأوراق في أكثر من ساحة خاصة في الساحة الإيرانية.

وإذا كان المقصود وقف الحروب هو تخفيف حدة بعض الاشتباكات أو رعاية تفاهمات مؤقتة فإن الواقع يشير إلى أن بؤر الصراع الأساسية ما زالت مشتعلة ففي غزة مثلًا ورغم خطة ترامب عن التهدئة ما زال العدوان الإسرائيلي مستمرًا وما زال الفلسطينيون يدفعون الثمن من دمهم ولقمة عيشهم وحقهم في المأوى، فأي حرب هذه التي توقفت، وأي سلام يتحقق فيما النار لم تخمد في غزة لا بل اشتعلت في الشرق الأوسط برمته بسبب العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران .

لذلك فإن التصعيد العسكري الأمريكي المتكرر يطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم منع الحرب، فالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران والضربات الجوية واغتيال الإمام علي خامنئي، لا تعكس مناخ تهدئة بقدر ما تعكس إدارة صراع مفتوح على إيقاع البوق الصهيوني لأن العلاقة العدائية بين واشنطن وطهران ليست وليدة الساعة لكنها في عهد ترامب اتخذت منحى أكثر صراحة في الانحياز لإسرائيل والدخول الى جانبها بحرب مباشرة ضد إيران.

ورغم تعقيدات المشهد المرتبط بصراع النفوذ بالمنطقة بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة ثانية فإن الحروب لم تتوقف بل تحولت إلى حروب استنزاف طويل الأمد يعيد رسم خرائط التحالفات الدولية، وهنا لا يمكن القول أن إدارة ترامب كانت من أكثر الإدارات الأميركية دعما لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا إلى درجة أن الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت من دور الوسيط إلى دور الشريك المباشر لإسرائيل بعدوانها على المنطقة.

هذا التحول عزز فكرة وجود قطب أميركي، إسرائيلي، غربي، يسعى لفرض رؤيته للنظام العالمي على القطب الآخر المتمثل بروسيا والصين
لكن المفارقة أن هذا القطب الآخر لم يُظهر استعدادًا فعليًا للدخول في مواجهة مباشرة دعما لحلفائه كما فعلت الولايات المتحدة بدعم إسرائيل والدخول معها بالعدوان على إيران، ويكتفي حلفاء إيران الروس والصنيون
بمواقف سياسية تجنبًا لتوسيع دائرة الحرب إلى صدام عالمي شامل.

فترامب المنحاز لإسرائيل جاء لتنفيذ مخطط الحركة الصهيونية العالمية للهيمنة على الوطن العربي والسيطرة على الاقتصاد والطاقة وإعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم المصالح الصهيونية الأميركية، في المحصلة يبقى السؤال، هل جاء الرئيس ترامب ليوقف الحروب فعلًا أم لإعادة توزيع الأدوار والتوازنات الجديدة في الشرق الأوسط والعالم، والواقع يشير إلى أن العالم لم يدخل مرحلة سلام واستقرار بل مرحلة إعادة تموضع أمريكي يدير الحروب بالوكالة أحيانًا وبالقوة المباشرة أحيانا أخرى فيما يدفع الضعفاء الثمن الأكبر، وبين خطاب صانع السلام وصور الدمار في غزة، وبين ادعاء إنهاء النزاعات والحرب والتوتر مع إيران يبقى التناقض الأمريكي قائمًا وتبقى الحقيقة مرهونة بما يحدث على الأرض لا بما يقال على المنابر.