ترامب في بئر 2026

عبدالحليم قنديل

الذي راقب لغة جسد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمريه الصحافيين قبل وبعد اجتماعه القصير الأخير مع بنيامين نتنياهو في فلوريدا، لا بد لحظ أن ترامب بدا في صورة عظمة مرتعشة، لم ينجح في التغطية عليها بسيل تصريحاته الخاوية، والاستئثار بالكلام أغلب الوقت، بينما اكتفى نتنياهو بابتسامته الصفراء، وبإيماءة الرأس الموافقة لصديقه ومضيفه الثرثار، الذي بدا كأنه غارق في بئر، يعيد ويزيد في شروحه عن عظمة نتنياهو، الذي لولاه لما بقيت إسرائيل على قيد الحياة، والذي يستحق عفوا شاملا في قضايا فساده من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وقد نفي الأخير رسميا تلبية طلب ترامب بالعفو عن نتنياهو.
وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي عن تكريم ترامب بمنحه «جائزة إسرائيل» اعترافا بإسهاماته الهائلة لإسرائيل وللشعب اليهودي، وهو ما بدا ترامب ممتنا له بفرح غامر، رغم أنه قال قبل اللقاء مع نتنياهو، إنه منح إسرائيل هضبة الجولان السورية التي تساوى تريليونات الدولارات، دون أن يتقاضى سنتا، وتفاخر ترامب بأنه حسم ثلاث قضايا متعلقة باتفاق غزة في خمس دقائق، خلال العشاء مع نتنياهو، دون أن يأتي على ذكر واحدة منها.
وأكد ترامب التزام إسرائيل الحرفي بما يسمى «خطة ترامب»، وأن الطرف الآخر هو الذي أخل ويخل بالتزاماته، وطالب حماس بنزع سلاحها في مدة قصيرة جدا لم يحددها، وعاد مجددا لدعم هدف إخراج وتهجير الفلسطينيين من غزة، وفي سياق دعمه لما تسميه حكومة نتنياهو بالخروج الطوعي. وقد لا يكون هناك مبرر للتعجب، فما بين أمريكا وإسرائيل اندماج استراتيجي كامل، وقد تحدث أحيانا خلافات في التصرفات التكتيكية بين حكومة إسرائيل العليا في واشنطن وحكومتها الفرعية في تل أبيب، وبعد اتفاق شرم الشيخ المتعلق بخطة ترامب، بدا أن ترامب أجبر نتنياهو على وقف حرب الإبادة الجماعية في غزة إلى حين، لكن إسرائيل لم تحترم وقف إطلاق النار أبدا، واخترقته مئات المرات، وقتلت بالنار مئات الفلسطينيين مجددا، ونسفت آلاف المباني المتبقية في شرق قطاع غزة، وحالت دون تنفيذ البروتوكول الإنساني، وحجبت فرص دخول آلاف شاحنات الإغاثات الطبية والغذائية، ومنعت إدخال مئات الآلاف من الخيام والمنازل المتنقلة، وهو ما كان سببا في تفاقم المآسي الإنسانية، مع دخول فصل الشتاء القاسي، وتجمد أجساد الأطفال الرضع والشيوخ في عراء غزة، في حين بدا ترامب في عالم آخر، وزعم التزام إسرائيل بالاتفاق حرفيا، وامتنع عن الجواب، حين سئل عن التزام إسرائيل بالانسحاب من الخط الأصفر إلى الخط الأحمر، ضمن خطوات المرحلة الثانية، وكأنه يقول ببساطة، إن من حق إسرائيل أن تفعل أو لا تفعل، وأن من حقه أن يسمى ذلك سلاما، وحين سألوا ترامب عن ما يسمى قوة الاستقرار الدولية وأطرافها، وعما إذا كان من حق تركيا أن تشارك بالقوة إياها، اكتفى بعبارات غائمة، كال فيها المديح للرئيس التركي، وأضاف أن نتنياهو يعارض مشاركة قوات تركية، وكأنه يسلم بانعدام حيلته .

والخلاصة، أن ترامب يكف يده عن أي تدخل ضاغط لكبح نتنياهو، وأن صورة العلاقة بين الطرفين المتكاملين، تتغير ملامحها مجددا، وترجح كفة نتنياهو هذه المرة، وهو ما بدا ظاهرا في أحاديث ترامب المرتبكة عن احتمالات تجدد الحروب الشاملة شرقا ضد إيران وقبلها في لبنان وسوريا، ورغم حديثه عن السعي لاتفاق يجمع نتنياهو والرئيس السوري، إلا أن نتنياهو كان قاطعا بكشف أهدافه في إلحاق سوريا بالحزام الأمني الإسرائيلي، ودونما حديث بالطبع عن هضبة الجولان، التي ابتلعتها إسرائيل بدعم نهائي من ترامب، ودونما حديث أيضا عن كبح شهية العدو في شن الحروب من لبنان إلى إيران، ولم يخف ترامب تأييده الضمني لحرب جديدة ضد إيران، قد تشارك فيها أمريكا مجددا، وبدعوى أن إيران عادت لتطوير برنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي، ما يوحي بحقيقة العلاقة الراهنة بين ترامب ونتنياهو، وبين العدوين الأمريكي والإسرائيلي، وهما كيان واحد متحد، حتى إن بدت بعض التصرفات مختلفة أحيانا في توزيع الأدوار، على طريقة إعلان إسرائيل اعترافها من طرف واحد بالكيان الانفصالي في أرض الصومال، وامتناع واشنطن الظاهري عن الاعتراف الآن، لكن مع تأكيد أمريكا في مجلس الأمن، على حق إسرائيل في فعل ما تشاء، ما دامت المعارضات العربية والإسلامية لا تجدي فتيلا، وما دام بناء قواعد عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال مفيدا في مواجهة حوثيي اليمن، وما دامت أرض الصومال صالحة كملجأ بديل للفلسطينيين المهجرين، وهو هدف ظاهر لأمريكا وإسرائيل معا، كما دلت عليه تصريحات ترامب العلنية، التي عاد فيها وعادت إدارته اليهودية الصهيونية إلى تكرار نغمة الريفييرا إياها، ونشر الخطة المسماة «شروق الشمس» لإعادة إعمار غزة في عشر سنوات، أي إلى سبع سنوات إضافية بعد خروج ترامب نفسه من البيت الأبيض .
والخلاصة مجددا، أننا قد نكون بصدد الذهاب إلى متاهات لا تنتهي، يصوغ نتنياهو عنوانها في حروب متجددة، بينما يضفي ترامب صفة سلام القوة على حروب نتنياهو، وهو ما يخدم حتى أغراض نتنياهو الشخصية الذاتية، وسعيه للفوز مجددا برئاسة الوزراء في أواخر العام الجاري 2026، أو في أواسطه إذا جرت الانتخابات مبكرة في إسرائيل، ويفيده طبعا، أن يستخدم صوت ترامب دعائيا في حملته ضد منافسيه، في حين يبدو ترامب مجبرا لا مختارا، فهو الآخر ينتظر انتخابات التجديد للكونغرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ، وأغلب التقديرات ترجح خسارة حزب ترامب الجمهوري في الانتخابات المنتظرة، وقد يسعى ترامب إلى تخفيف ثقل الخسارة، والاستعانة بتأثير نتنياهو على اللوبي اليهودي الأمريكي المتحكم، حتى لو كان الثمن تطابقا تاما مع الرغبات والأهداف الإسرائيلية، فمن شأن خسارة حزب ترامب في انتخابات الكونغرس المقررة أوائل نوفمبر 2026، أن تحول ترامب إلى بطة عرجاء في البيت الأبيض، وأن تنتهي فترة رئاسته الفعالة قبل الأوان بعامين، وأن يجرى اختصار فترة رئاسته رباعية السنوات إلى عامين لا غير، وعام الرئاسة الأخير في التقاليد الأمريكية هو موعد حالة البطة العرجاء وحساباتها الحذرة، لكنه قد يأتي مبكرا في رئاسة ترامب الثانية والأخيرة، مع احتمالات شبه مؤكدة بخسارة ترامب لأغلبيته الضئيلة في مجلسي النواب والشيوخ، حتى لو ظفر بدعم اللوبي اليهودي، الذي فقد الكثير من قوة تأثيره، مع تحولات جرت في مزاج الناخب الأمريكي تجاه إسرائيل، وبالذات في أوساط الشباب والأجيال الأمريكية الجديدة .
ومما يزيد من ضعف ترامب سياسيا رغم بهلوانيته الكلامية، أن التشققات تتزايد في قاعدته الانتخابية، مع مضاعفات نشر وثائق وفضائح جيفري إبستين عميل الموساد وتاجر الجنس الشهير، ومع فشل ترامب الظاهر في تحقيق وعوده الاقتصادية، وتصاعد التذمر من زيادة تكاليف المعيشة بالنسبة لغالبية الأمريكيين، وإخفاق خطة زيادة الرسوم الجمركية في دفع الاقتصاد للانتعاش، وميل الرئيس لمبالغات وفجاجات وأكاذيب فاقعة، تدعي جلب استثمارات بعشرات تريليونات الدولارات إلى الداخل الأمريكي، وهو ما زاد من معدلات تدهور شعبية الرئيس الأمريكي، ونزولها مبكرا في سبعة استطلاعات رأى إلى ما تحت الأربعين في المئة، مع تراجع الحماس للرئيس في حركة «ماغا» نفسها، وهي حركة اجتماعية سياسية تحمل الحروف الأولى بالإنكليزية لشعار ترامب الأثير لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، وقد توالت في الفترة الأخيرة انشقاقات داخل «ماغا»، كان بعضها غاضبا من تطابق سياسات ترامب مع إسرائيل، ومع مجازر الإبادة الجماعية الأمريكية الإسرائيلية في غزة، فهم لا يفهمون كيف تكون أمريكا أولا، ومواردها العسكرية خاضعة لدولة أجنبية اسمها إسرائيل.
ويبدو أن ترامب نفسه، اكتشف غريزيا خواء شعار عظمة أمريكا، وراح في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، ينكمش بعظمة أمريكا الكونية، إلى عظمة جغرافية في الجوار، أو إلى عظمة لاتينية بالذات، فاستراتيجيته الجديدة تركز على إحياء مبدأ مونرو، والانسحاب إلى نصف الكرة الغربي في الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وكأنه يعود بوضع أمريكا إلى ما كان قبل قرنين، حين أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو عام 1830 عن سياسته الدولية، ورغبة واشنطن في الاستئثار بثروات وسياسة أمريكا اللاتينية، وهو ما يلتزم به الرئيس ترامب كأولوية قصوى اليوم، ويسعى لشن حروبه الجديدة في الكاريبي ضد فنزويلا وأخواتها، وكأنه يعود إلى مبدأ مونرو في نسخته الحرفية الأولى .

كاتب مصري