في حقب تاريخية عديدة ابتلت شعوب الأرض بشخصيات غرائبية السلوك والسمات الشخصية: مسكونة حتى النخاع بالنرجسية -“تضخم الأنا”، تعميها الغطرسة والبلطجة والاستعلاء على الاخر، لا تضبطها معايير، أو قوانين، أو قيم أخلاقية، ولا تخفف من غلوائها التعاليم الدينية، لا بل قد يصاب بعضهم بلوثة – “انه مرسلا من عند الله” أو “المسيح المنتظر” أو “يوحى له”، مما يدفعه لتقمص دورا “لاهوتيا” و”فوق البشر”، فيحلق في فضاء “الانا” الى أبعد مدى من الهلوسات والفرضيات الخيالية، وهذا يجعله يستصغر شأن الناس والقوانين جميعا دون استثناء، بما في ذلك الاقربين من العائلة وغيرهم من المستويات الأخرى: الحزبية أو الحكومية أو في إدارة الشركات، أو مطلق عمل مشترك.
دونالد ترمب الرئيس الأميركي الحالي، أحد هذه النماذج الاستثنائية في التاريخ المعاصر، الذي للأسف انتخبه الشعب الأميركي بأغلبية ساحقة بلغت نحو 76%، في الانتخابات الرئاسية تشرين ثاني / نوفمبر 2024، ليس بفضل كفاءته وتضليله وخداعه للشعب فقط، انما لأن منافسيه من الحزب الديمقراطي كانا (جو بايدن وكمالا هاريس) ضعفاء، فضلا عن تفعيله قاعدته الحزبية العنصرية من البيض بشكل مميز، رغم كل الملاحقات التي طالتهم بسبب احداث السادس من كانون ثاني / يناير 2021 والهجوم على الكونغرس.
من أحدث مفاجآت ملك النرجسية، كان تصريحه للصحفيين أول أمس الثلاثاء 12 أيار / مايو الحالي: إن الضغوط المالية التي يواجهها الاميركيون ليست من أولوياته في إطار سعيه لإبرام اتفاق مع إيران. وأضاف قبل مغادرته للصين، ” لا أفكر في الوضع المالي للأميركيين، لا أفكر في أحد، كل ما أفكر فيه هو أمر واحد، لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، هذا كل شيء.” وعندما طلب منه توضيح موقفه بصورة أدق، أكد الرئيس ال 47 مجددا أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي هو “الأهم على الإطلاق”. وتابع “الأهم على الإطلاق، بغض النظر عما إذا كان سوق الأسهم لدينا – الذي وصل الى أعلى مستوياته على الإطلاق – سيرتفع أو ينخفض قليلا.”
ما تقدم من تصريح علني وعلى الملأ، وموجه للشعب الأميركي المنكوب والمبتلي بالرئيس ترمب وادارته، يكشف حجم الاستهتار بمصالح دافعي الضرائب، والأولى بالرعاية والرخاء من الحروب كافة، لا بل أن مصالح الاميركيين تقع في آخر اهتماماته، ولا يعيرها أي ذرة من العناية أو الاهتمام، مع أنه وحزبه على أبواب محطة مفصلية في مسيرته ومسيرة الجمهوريين، حيث الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم، التي تهدد مستقبل ومكانة الحزب في الهيئتين التشريعيتين: الكونغرس ومجلس الشيوخ، ويفتح الباب امام الديمقراطيين ليعيدوا الاعتبار لذاتهم، الا إذا كان سيعود لأكاذيب انتخابات 2020، والانقلاب على الشرعية واختطاف الحكم بالقوة وتبديد الديمقراطية.
وردا على السياسات العبثية للإدارة الجمهورية ورئيسها، كشف آخر استطلاعات الرأي الذي أجرته شبكة “CNN” ونشر يوم الاثنين 11 مايو الحالي، يشير الى أن 77% من الاميركيين المستطلعة اراءهم أعلنوا بأن سياسات الرئيس الأميركي قد رفعت تكلفة المعيشة في ولاياتهم، كما افاد 75% آخرون بأن الحرب الأميركية على إيران كان لها أثر سلبي على أوضاعهم المالية. ومازال منسوب الرفض لسياسات الإدارة الجمهورية يتصاعد، وسيرتد على ساكن البيت الأبيض وادارته وحزبه. كما ان تصريحه فاقد الاهلية والمسؤولية جوبه بردود فعل غاضبة بسمتها العامة من الحزب الديمقراطي وحتى من قطاع لا بأس به من الحزب الجمهوري ومن عموم قطاعات الشعب المتضررة من ارتفاع مستوى المعيشة الناجم عن تداعيات الحرب على إيران. لا سيما وأن الحرب على إيران التي بدأت في 28 شباط / فبراير 2026، هي حرب إسرائيل اللقيطة، أداة الولايات المتحدة، ومن حفز ترمب لاشعال نيرانها العائلات الصهيونية ومنظمة “الإيباك” الصهيونية وبنيامين نتنياهو وأركان حكومته، ومع ذلك أشرت سابقا، واعود أؤكد، أن صاحب القرار الرئيس دونالد ترمب وحده، وإن كان زعماء الصهيونية العالمية وحكومة إسرائيل النازية ساهموا مساهمة كبيرة في إقناع الرجل المغرور والنرجسي باشعال نيرانها، ولم يعد بالإمكان تراجعه عن قراره، لأنه يعتبر ذلك انتقاصا من مكانته النرجسية.
أعان الله الشعب الأميركي على بلواه ومصيبته من انتخابه رجل تنكر أول ما تنكر لمصالحه، وبات رخاء وتخفيض مستوى المعيشة آخر اهتماماته، وأمسى الملف النووي الإيراني أولى أولوياته، والأموال يمكن تأمينها وجلبها من مصادر ودول اخرى، وستبقى بقرة دافع الضرائب الأميركي تدر الحليب النقدي لإشباع رغبات ونزعات الرئيس النرجسي.





