جاري التحميل...

تسليع اللجوء وتشييء الإنسان: حين تتحوّل المأساة إلى ورقة اقتصادية وسياسية:

 

في زمنٍ باتت فيه القيم الإنسانية مجرّد أوراقٍ في ملفات السياسة الدولية، لم يعد اللجوء مجردَ استجابةٍ لنداء الحماية أو النجاة، بل أصبح سلعةً تُتداول في أسواق المصالح الاقتصادية والسياسات الجيوستراتيجية. لقد انتقلت مسألة اللجوء من كونها قضيّةً أخلاقية وإنسانية إلى مجال براغماتي تُحكمه المصالح الباردة، والموازنات التجارية، والحسابات الانتخابية في عواصم القرار.
لقد كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قد حذّر من صيرورة “الإنسان موضوعاً لسلطة المعرفة”، ولكنّ ما نشهده اليوم يتعدّى ذلك: فالإنسان اللاجئ لم يعد فقط موضوعاً للسلطة أو للخطاب، بل أصبح سلعةً سياسية واقتصادية، تُستخدم للابتزاز، ولتعديل موازين القوى، أو حتى لتبرير إجراءات أمنية مشددة، كما في سياسات العزل، والجدران، ومراكز الاحتجاز على أطراف الحدود الأوروبية، أو في صفقات “إعادة التوطين” مقابل المال، كما جرى في اتفاقية الاتحاد الأوروبي وتركيا (2016).
لقد تحوّل اللاجئ من كائنٍ حقوقيّ يستحق الحماية، كما نصّت اتفاقية جنيف لعام 1951، إلى رقمٍ في ميزانية الدولة، أو في معدلات التصويت. وهكذا صار يُنظر إليه، لا بوصفه إنساناً نزح عن بيته مكرهاً، بل كـ”عبء” أو “تهديد”، أو حتى كـ”فرصة اقتصادية” في بعض الخطابات النيوليبرالية. وهذا ما يمكن تسميته، على حدّ تعبير هربرت ماركوزه، بـ”التحوّل التقني للإنسان”، حين يُختزل الإنسان في وظيفته أو فائدته.
وفي هذا السياق، تُستحضر سياسات الردع والعزل لا بوصفها خيارات طارئة، بل كمنظومة دائمة تُشرعن بالعقلانية الإدارية والأمنية. يُطوّق اللاجئ بـ”قانون الطوارئ”، ويُحتجز في “مناطق انتظار” تُعيدنا إلى مفهوم “الحالة الاستثنائية” عند الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، حيث يُعطّل القانون باسم القانون، ويُمنح للدولة الحق في تعليق الحقوق باسم حمايتها. فاللاجئ، في هذا المشهد، لم يعد يتمتع بحقوق المواطن، بل يخضع لحالة “اللا-انتماء”، يعيش في تخوم القانون، على الحدود بين الحياة القانونية والحياة العارية .
هكذا تتصاعد سياسات الردع، وتُبنى الجدران لا لردّ العدو، بل لعزل المستضعف. ويُحتجز الأطفال خلف الأسلاك، وتُرحّل العائلات ليلاً كأنّها بضاعة غير مرغوب فيها. كل ذلك يجري باسم “السيادة”، “الأمن”، “المصلحة الوطنية”، وهي مفاهيم مطّاطة لطالما استُخدمت لإقصاء الآخر وتبرير العنف “القانوني”.
وفي هذا، يُذكّرنا إيمانويل ليفيناس بأنّ “الوجه هو الذي يطلب منّا ألا نقتل”. غير أن النظام السياسي الحديث، وهو يحجب وجه اللاجئ خلف الأرقام، ينجح في تعطيل هذا النداء الأخلاقي، ويحوّله إلى معادلة اقتصادية: كم يكلفنا هذا الوجه؟ كم يُربك سوق العمل؟ كم يُهدّد ثقافتنا؟
أمّا القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية كمحاولة لتكريس كرامة الإنسان بعد أهوال الفاشية، فقد بات مُصادراً أو مُعلّقاً في وجه الخطابات الشعبوية. إن هذا التناقض بين الخطاب الإنساني والممارسة السياسية يكشف عن ما أسماه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي”، حيث تُمارس السلطة لا من خلال القهر المباشر فقط، بل من خلال إنتاج المعاني وتطبيع الاستثناء.
الجدير بالذكر أنّ المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 تنص على ما يلي:
“يحق لكلّ شخص أن يسعى للحصول على اللجوء والتمتع به في دول أخرى فرارًا من المحاكمة والقضاء. ولا يجوز منح هذا الحقّ إذا كانت المحاكمة ناشئة عن جرائم غير سياسية أو عن أفعال مخالفة لأغراض ومبادئ الأمم المتحدة”.
وتهدف اتفاقيّة 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين (اتفاقيّة اللاجئين) والنظام الأساسيلمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى ضمان وحماية حقّ اللجوء لجميع الأفراد الذين يخشون من الاضطهاد من دولهم (المادة 8 – أ و8 – د من النظام الأساسيلمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ الموادّ 1، 31-33 من اتفاقيّة اللاجئين).
لقد أصبح اللجوء جزءاً من آليات السوق: دول تدفع لتوطين، وأخرى تبتزّ بالديموغرافيا، وثالثة تفاوض على “حزم مساعدات” مقابل إعادة القوارب. هذا هو الوجه النيوليبرالي للجوء، حيث تتحول المأساة إلى بورصة، والدم إلى وثيقة تفاوض.
ما نحتاجه اليوم، هو إعادة الاعتبار للإنسان لا بوصفه وحدةً إحصائية أو ملفاً أمنياً، بل كـ”غاية في ذاته” كما قال كانط. فكل سياسة تعزل الإنسان عن إنسانيته، هي سياسة تمهّد للاستبداد، وتعيد إنتاج العالم كآلة تفترس أضعف مَنْ فيه.
إنّ تسليع اللجوء ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل علامة على أزمة حضارية شاملة. وحين تُقايض الكرامة بالربح، وتُفاضل السياسة بين الدم والمصلحة، نكون قد دخلنا ما سماه زيغمونت باومان بـ”الحداثة السائلة”، حيث تذوب القيم وتتبخّر المعايير.
_ ختاماً، فإن الدفاع عن اللاجئ هو دفاع عن وجه العالم الأخلاقي، عن قلب القانون، عن آخر ما تبقّى من ضميرٍ في السياسة. فهل نملك الشجاعة لا لنفتح الحدود، بل لنفتح أعيننا على ما يجري خلفها؟