السياسي – في خضم الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن إدارة الحرب مع إيران وتداعياتها السياسية والاقتصادية، أثارت سلسلة من التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسبوع الماضي تساؤلات واسعة حول طبيعة الأهداف الأمريكية في المنطقة وآلية اتخاذ القرار داخل إدارته.
وبين حديثه عن الحصول على “نصف النفط الإيراني” مقابل إعادة الإعمار، وإعلانه عن “مهمة سرية” مرتبطة بحركة النفط في مضيق هرمز، ثم ظهور تصريحات لأحد كبار المسؤولين بعدم معرفة تفاصيل ما أعلنه، تحولت تصريحات الرئيس إلى محور سجال سياسي وإعلامي امتد للأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية.
وفي مقابلة أجراها مراسل “أي بي سي نيوز” جوناثان كارل مع ترامب يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، سُئل الرئيس عن تصوره لمشاركة أمريكا في إعادة إعمار إيران بعد الحرب.
أجاب ترامب وفق ما نقلتها القناة: “سيضطر أحدهم إلى بناء كل هذه البنية التحتية: جسور جديدة، هذا وذاك، محطات طاقة جديدة، يتحدثون عن تريليون دولار، ربما أكثر، ولهذا سنتورط على الأرجح في إعادة البناء، أليس كذلك، مساعدتهم في إعادة البناء”.
وحين سأله كارل إن كان ذلك يشبه مشروع مارشال لإيران، أجاب ترامب ببساطة: “نعم، لكننا سنأخذ نصف نفطهم”.
لم يكن ذلك تصريحا عابرا، ففي 30 آذار/ مارس الماضي، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” عن مقابلة مع ترامب قال فيها إن “أفضل شيء هو أخذ نفط إيران”، وأثار فيها إمكانية الاستيلاء على جزيرة خارك التي تعالج نحو 90 بالمئة من صادرات إيران النفطية.
وفي 3 نيسان/ أبريل، نشر ترامب على “تروث سوشال”: “مع مزيد من الوقت، يمكننا بسهولة فتح مضيق هرمز، وأخذ النفط، وجني ثروة طائلة”.
في المكتب البيضاوي الأربعاء الماضي، سأل أحد الصحفيين ترامب عن أرقام التضخم التي أعلنها مؤشر أسعار المستهلكين صباح اليوم ذاته بارتفاع إلى 4.2ب المئة سنويا أعلى مستوى منذ نيسان/ أبريل 2023.
وأجاب ترامب: “لا، أنا أحبه. الأرقام كانت رائعة. وتعرفون ما الذي أحبه فعلاً؟ أحب التضخم. تعرفون لماذا؟ لأنه حين تنتهي هذه الحرب… أستطيع أن أقول ذلك الآن، شيء لم تكونوا تعرفونه. هل تعلمون أننا كنا نُخرج ملايين البراميل من النفط؟ لا أحد يعرف هذا. تعرفون من لا يعرفه؟ إيران. حتى الآن. أخرجنا منذ الليلة الأخيرة 22 سفينة، في وقت متأخر من الليل، بدون أضواء، لأنه لا يوجد لديهم رادار، لأننا دمرنا كل شيء. هذا هو سبب أن النفط بـ85 دولاراً للبرميل”.
ثم أصدر ترامب بعد ساعات منشورا على منصته، أعلن فيه أنه وجه الجيش الأمريكي لتنفيذ “مهمة سرية لدعم ناقلات النفط والسفن التجارية عبر مضيق هرمز”، مؤكدا أن المهمة أسفرت عن عبور “أكثر من 100 مليون برميل من النفط” و”أكثر من 200 سفينة تجارية”، وختمها بعبارة: “هذا النجاح الباهر جاء لأن الولايات المتحدة الأمريكية تتحكم في مضيق هرمز ليس إيران. جيشها مهزوم واقتصادها ضائع. انتهى الأمر بالنسبة لإيران!”.
-إشكالية السرية وردود الفعل
غير أن الرواية واجهت إشكالية أساسية، إذ أن ترامب نفسه وصف العملية بأنها “سرية”، ثم كشف تفاصيلها أمام الصحفيين، قبل أن يعيد الحديث عنها علناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، نقلت “إن بي سي نيوز” عن مسؤول عسكري أمريكي رفيع تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته أن ما أشار إليه ترامب لم يكن ثمة “سرقة نفط” بالمعنى الحرفي للكلمة، بل يبدو أقرب إلى جهد أمريكي لتوجيه عبور السفن التجارية في المضيق، وليس عملية استيلاء على نفط إيراني، وأضافت الشبكة ملاحظة لافتة: “إذا كانت هذه مهمة سرية فعلاً، فإن ترامب هو من أفشاها”.
وفي الوقت نفسه الذي كان ترامب يتحدث فيه عن “المهمة السرية”، كان وزير الطاقة كريس رايت يمثل أمام لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا في مجلس النواب لمناقشة تأثيرات حرب إيران على أسواق الطاقة.
وخلال الجلسة، قامت النائبة الديمقراطية عن ولاية أوهايو إيميليا سايكس بتشغيل تسجيل صوتي لترامب يتحدث فيه عن “ملايين البراميل”، سألت سايكس الوزير: “هل كنت على علم بأن الولايات المتحدة تستولي على النفط الإيراني؟”، فأجاب رايت بأنه “غير مدرك” لذلك.
ثم سألته إن كان يعتقد أن الرئيس يكذب، فرد قائلا: “لا. لا أعتقد أن الرئيس يكذب. أعتقد أن الرئيس يتحدث بشكل غير رسمي عن جهودنا.”
وعندما عقبت سايكس بالسؤال: “هل تعتقد أنه مناسب أن يتحدث بشكل غير رسمي عن حرب قُتل فيها 13 عسكرياً أمريكياً؟” أجاب رايت: “أعتقد أنك تتحدث مع جمهور مختلف وبأساليب مختلفة”.
وقال سايكس: “الرئيس يُبقيك في الظلام بشأن ما يفعله في إيران، وأنت تجلس هنا أمام هذه اللجنة غير مدرك بأن الرئيس أعلن عن مهمة سرية”.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ كشفت الجلسة نفسها عن جانب آخر يتعلق بمعلومات سابقة صدرت عن وزارة الطاقة، فقد سأل النائب الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا سوهاس سوبرامانيام الوزير رايت عن منشور في آذار/ مارس الماضي على منصة إكس من قبل فريقه، وجاء فيه أن “البحرية الأمريكية نجحت في مرافقة ناقلة نفط عبر مضيق هرمز لضمان استمرار تدفق النفط”.
ومع تصاعد الجدل، خرج النائب الديمقراطي جيم هايمز، الرئيس المشارك للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الأربعاء الماضي عبر شبكة “سي إن إن” رافضا ادعاءات ترامب.
وقال هايمز: “كثير من هذا الكلام غير صحيح ببساطة. وتذكروا السجل هنا: هذه الحرب كانت ستنتهي في أيام، منذ ثلاثة أشهر والإيرانيون على بُعد يومين أو ثلاثة أيام من التوصل إلى صفقة، إذن دعونا نتفق على أن الرئيس لا يتمتع بأي مصداقية فيما يقوله عن حرب إيران، لا تحتاجون إلى خبير استخباراتي لتفهموا أنه في مضيق هرمز لا يمكنك تحريك أي شيء في سرية، بمنظار جيد على أي من الساحلين يمكنك رؤية ما يجري”.
أما على الصعيد الاقتصادي، ذكرت مجلة “التايم” أن ارتفاع التضخم إلى 4.2 بالمئة منح الديمقراطيين فرصة لمهاجمة ترامب في ملف الاقتصاد.
ونقلت المجلة عن النائب دوايت إيفانز من ولاية بنسلفانيا قوله إن “السائقين الأمريكيين دفعوا 40 مليار دولاراً إضافية للبنزين منذ بدء حرب ترامب”.
كما أشار معهد السياسة الضريبية والاقتصادية، إلى أن الأمريكيين دفعوا أكثر من 39 مليار دولار إضافية لشركات النفط نتيجة ارتفاع الأسعار بعد الحرب، وهو ما يعادل أكثر من 300 دولار لكل أسرة.






