تغيير الأنظمة بين إرادة الشعوب وإرادة واشنطن… غزة كنموذج لاختطاف القرار الوطني الفلسطيني

بقلم د. عبدالرحيم جاموس

في مقاله المعنون «تغيير النظام ما بين إرادة الشعب وإرادة واشنطن»، المنشور بتاريخ 13 يناير، يطرح الصديق د. إبراهيم أبراش إشكالية سياسية وقانونية شديدة الأهمية، تتجاوز الحالة الإيرانية الراهنة لتلامس جوهر ما شهدته المنطقة من تجارب تغيير أنظمة، وتضعنا أمام سؤال مركزي: متى يكون التغيير تعبيرًا عن إرادة شعبية سيادية، ومتى يتحوّل إلى أداة تدخل خارجي تعيد إنتاج التبعية بدل التحرر؟
ينطلق د. أبراش من تحذير واضح مفاده أن أي تدخل أمريكي يُقدَّم بوصفه دعمًا للحراك الشعبي، ينتهي عمليًا إلى تقويض هذا الحراك.
فحين تسقط الأنظمة بفعل القوة الخارجية، لا تُنسب شرعية التغيير إلى الشعوب، بل إلى القوى المتدخلة، ما يجعل النظام البديل أسيرًا لإرادتها السياسية والاقتصادية، ويقوّض مبدأ السيادة الوطنية الذي يُعد ركنًا أساسياً في القانون الدولي.
وتؤكد التجارب التي استحضرها المقال هذه القاعدة بجلاء.
ففي العراق عام 2003، لم يؤدِّ التدخل العسكري الأمريكي إلى انتقال ديمقراطي، بل إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها، وفرض وصاية سياسية وأمنية ما زالت تداعياتها قائمة.
وفي ليبيا، أسهم تدخل حلف شمال الأطلسي في إسقاط النظام، لكنه لم يُنتج دولة وطنية مستقرة، بل فتح الباب أمام الفوضى والانقسام وصراع النفوذ. وحتى في الحالة السورية، ورغم عدم سقوط النظام رسميًا، فإن تعدد التدخلات الخارجية أدى عمليًا إلى إضعاف السيادة وتحويل البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، بما يؤكد أن التدخل الخارجي لا يصنع تحررًا ولا استقرارًا.
غير أن أخطر إسقاطات هذه القاعدة، وأكثرها اتصالًا بالواقع الفلسطيني، تتجسد اليوم في قطاع غزة. فالنماذج المطروحة أمريكيًا وإسرائيليًا لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب لا تستند إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بل تهدف، كما يحذّر د. أبراش، إلى إقصاء منظمة التحرير الفلسطينية، وتفريغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها السياسي والقانوني.
إن النموذج المقترح لغزة لا يقوم على إنهاء الاحتلال أو إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، بل على تحويل القطاع إلى كيان منزوع السيادة، يُدار أمنيًا وإنسانيًا، ويخضع لشروط التمويل والرقابة الخارجية. وهو مسار يشكّل انتهاكًا صريحًا لمبدأ وحدة الأرض الفلسطينية، وضربًا لأسس المشروع الوطني، عبر تكريس الانقسام، وإضعاف منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني يُدار من الخارج.
إن مواجهة هذا المسار لا تكون بالشعارات أو بردود الفعل المؤقتة، بل بإعادة الاعتبار لمرتكزات العمل الوطني الفلسطيني: وحدة التمثيل، استقلال القرار، إصلاح وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، ورفض أي صيغة مفروضة خارج إطار الشرعية الوطنية والدولية.
فالتغيير الذي لا ينبع من الإرادة الوطنية الجامعة، ولا يستند إلى برنامج سياسي واضح، لن يكون إلا أداة في يد الاحتلال وحلفائه.
خلاصة القول، كما يخلص مقال د. إبراهيم أبراش، أن أخطر ما يواجه الشعوب ليس فقط بقاء الأنظمة أو سقوطها، بل اختطاف عملية التغيير ذاتها.
وفي الحالة الفلسطينية، فإن معركة غزة اليوم ليست معركة إدارة مؤقتة، بل معركة الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني ومنع تصفيته الناعمة تحت عناوين “الحلول البديلة”.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض