مقدمة :
دخل اتفاق غزة مرحلة الصراع على التنفيذ. فالفلسطينيون، وفق المواقف المعلنة، قبلوا إطار خطة ترامب، والوسطاء المصريون والقطريون والأتراك يدفعون باتجاه استكمالها، بينما تتحرك واشنطن عبر جاريد كوشنر لإنقاذ خارطة الطريق من التجميد. لكن إسرائيل، وبخاصة حكومة نتنياهو، تبدو عازمة على منع ترجمة المرحلة الثانية إلى انسحاب إسرائيلي فعلي قبل الانتخابات.
وعليه، فإن الاحتمال الأرجح ليس انهيار الاتفاق فورًا، ولا تنفيذه كاملًا، وإنما مماطلة إسرائيلية منظمة: خفض محدود للتصعيد، مساعدات وتعافي جزئي، ترتيبات تجريبية في غزة، وربما بدء عمل لجنة الإدارة ودخول طلائع قوة الاستقرار، مقابل تأجيل الانسحاب والملفات السياسية الثقيلة.
المعركة الحقيقية إذن ليست على نص الاتفاق، بل على تزامن الالتزامات: هل تنزع حماس السلاح بينما تنسحب إسرائيل بالتوازي، أم يصبح نزع السلاح شرطًا إسرائيليًا مفتوحًا لتأجيل الانسحاب؟
1. كوشنر في القاهرة: مركز الثقل قبل تل أبيب
اكتسبت زيارة جاريد كوشنر أهمية استثنائية بسبب ترتيبها السياسي: القاهرة أولًا، ثم إسرائيل.
فلقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والوسطاء، ووفد حماس برئاسة خليل الحية، قبل التوجه إلى نتنياهو، يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن القاهرة تمثل البوابة الأهم لأي صيغة قابلة للتنفيذ.
واستقبال رئيس المخابرات العامة اللواء حسن رشاد وفد حماس، وبحث استكمال مقررات قمة شرم الشيخ وخطة ترامب، بالتزامن مع تأكيد الحركة التزامها بالخطة، يعزز فرضية أن المشكلة الأساسية أصبحت في الالتزام الإسرائيلي.
القاهرة هنا ليست وسيطًا فقط؛ بل طرف قادر على جمع الأطراف، وإدارة قنوات الاتصال، ودعم ترتيبات المعابر والإدارة والأمن والإعمار، وتوفير الغطاء الإقليمي لأي صيغة تنفيذية.
2. رسالة كوشنر: التزامات متبادلة لا نزع سلاح أحادي
تكشف المعلومات المتداولة عن لقاء كوشنر بقيادة حماس أن واشنطن تضغط باتجاه تحويل التزامات الحركة بشأن نزع السلاح إلى خطوات عملية.
لكن الأهم أن ذلك يأتي بالتوازي مع بحث الخطوات الإسرائيلية المقابلة: الانسحاب، وتسريع المساعدات، وتهيئة المجال لقوة الاستقرار والإعمار.
وهذا يضع قاعدة جديدة للتفاوض:
نزع السلاح مقابل انسحاب، وتهدئة مقابل مساعدات، وترتيبات أمنية مقابل انتقال سياسي وإعمار.
إذا قبلت واشنطن بهذا التزامن، فإنها تقترب من فرض المرحلة الثانية. أما إذا قبلت بالفصل بين الالتزامات، فسيكون نتنياهو قد حصل على مفتاح تعطيل دائم.
3. نتنياهو: الرفض ليس نهاية الخطة بل استراتيجية لشراء الوقت
الفرضية المركزية التي ينبغي البناء عليها هي أن نتنياهو لا يريد تنفيذ جوهر المرحلة الثانية قبل الانتخابات الإسرائيلية.
فهو محاصر بين ثلاثة اعتبارات:
عدم خسارة ترامب.
عدم تقديم تنازل أمام اليمين.
عدم السماح بانسحاب إسرائيلي حقيقي من غزة قبل الانتخابات.
لذلك قد لا يرفض الخطة بصورة نهائية، بل يسعى إلى تفريغها من استحقاقاتها الزمنية.
وقد يقبل بخفض التصعيد، وتوسيع المساعدات، ومناطق تجريبية، وبعض خطوات الإعمار والإدارة، لكنه سيقاوم أي خطوة تنتج انسحابًا إسرائيليًا ملزمًا.
وهذه هي صيغة «المماطلة المنظمة»: لا حرب شاملة، ولا سلام فعلي، ولا تنفيذ كامل.
4. اليمين الإسرائيلي ومشروع إعادة هندسة الصراع
لا ينبغي اختزال الأزمة في شخصية نتنياهو. فجزء أساسي منها يرتبط بمشروع اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يرى الحرب فرصة لتكريس:
الاحتلال، والضم، والاستيطان، والتهجير، والسيطرة الأمنية الدائمة.
ومن هذه الزاوية، فإن خطة ترامب تحمل تناقضًا بالنسبة لليمين: فهي تمنحه هدف نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها، لكنها تفتح في المقابل الباب أمام إدارة فلسطينية، وانسحاب إسرائيلي، وقوة دولية، وإعمار، ومسار سياسي يمكن أن يقود في النهاية إلى تقرير المصير الفلسطيني.
لذلك يريد نتنياهو ثمار الخطة الأمنية دون استحقاقاتها السياسية والجغرافية.
5. القاهرة والوسطاء: من إدارة الأزمة إلى اختبار الضمانات
الموقف العربي والإقليمي الأخير، الذي عبّرت عنه مصر وقطر وتركيا والإمارات ودول عربية وإسلامية أخرى في رفض تعطيل الخطة، يرفع الكلفة السياسية للرفض الإسرائيلي.
لكن التحدي أمام القاهرة والوسطاء هو الانتقال من الوساطة إلى الضمان.
أي أن يصبح السؤال:
من يضمن أن كل التزام فلسطيني يقابله التزام إسرائيلي في التوقيت نفسه؟
وهنا تستطيع القاهرة أن تلعب الدور الأكثر تأثيرًا، باعتبارها الطرف الذي يملك قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وإسرائيل وحماس والوسطاء، ويستطيع تحويل التفاهمات إلى ترتيبات قابلة للقياس.
6. غزة: الخطر هو تحويل وقف النار إلى «إدارة للحرب»
استمرار الاغتيالات والاستهدافات بعد فترات الهدوء، إلى جانب القيود على المعابر والمساعدات، يكشف أن وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى حماية كاملة للمدنيين.
والأخطر أن يتحول الوضع إلى صيغة هجينة:
وقف نار بلا انسحاب، مساعدات بلا فتح كامل للمعابر، إعمار بلا حرية حركة، وإدارة فلسطينية بلا سيادة.
وهذه ليست نهاية للحرب، بل إعادة إنتاج لها بأدوات سياسية وأمنية.
7. الضفة والقدس: المسار الموازي للمماطلة في غزة
بينما تدور معركة المرحلة الثانية في غزة، يتواصل مشروع اليمين في الضفة والقدس عبر الاستيطان والضم الفعلي وهدم المنازل وإرهاب المستوطنين وتقويض الوجود الفلسطيني.
وهذا يفرض على أي تسوية أن تتعامل مع غزة والضفة والقدس باعتبارها مسرحًا واحدًا للصراع على مستقبل القضية الفلسطينية.
وإلا فقد تنتهي المعادلة إلى تهدئة غزة مقابل تصعيد الضفة، بما يسمح لإسرائيل بإعادة توزيع الضغط بدل إنهائه.
السيناريوهات الأكثر ترجيحًا
الأول: المماطلة حتى الانتخابات — الأرجح
يحافظ نتنياهو على الاتفاق شكليًا، ويقبل بخطوات محدودة، لكنه يؤجل الانسحاب والاستحقاقات السياسية.
الثاني: تنفيذ جزئي مضبوط
بدء لجنة إدارة غزة، مناطق تجريبية، قوة استقرار، مساعدات وإعمار محدود، مع إبقاء الانسحاب والسلاح في تفاوض مستمر.
الثالث: ضغط أمريكي فعلي
إذا قرر ترامب أن تعطيل الخطة يهدد مشروعه الإقليمي، فقد ينتقل من الإقناع إلى الضغط، ما يفتح الطريق أمام تنفيذ متزامن.
الرابع: صدام أمريكي–إسرائيلي
إذا رأى نتنياهو أن رفض الخطة يخدم بقاءه الانتخابي، وأصر ترامب على التنفيذ، فقد يتحول الخلاف إلى أزمة سياسية علنية بين واشنطن وتل أبيب.
الخلاصة الاستراتيجية
الفرضية الأرجح أن نتنياهو لن ينفذ جوهر المرحلة الثانية قبل الانتخابات، لكنه لن ينسف خطة ترامب بالكامل. سيحاول إبقاءها معلقة، وتنفيذ ما لا يهدد موقعه السياسي، وتأجيل ما يفرض انسحابًا إسرائيليًا حقيقيًا.
أما زيارة كوشنر، فتبدو محاولة أمريكية لاختبار إمكانية كسر الفيتو الإسرائيلي أو على الأقل احتوائه، عبر بناء صيغة تنفيذ متبادل تبدأ من القاهرة، وتستند إلى الدور المصري والوساطة العربية والإقليمية، ثم تنتقل إلى اختبار نتنياهو في تل أبيب.
وفي المقابل، فإن إعلان حماس التزامها بالخطة، وتحرك مصر والوسطاء، يضع الكرة بصورة أكبر في الملعب الإسرائيلي.
لكن كل ذلك يبقى مرهونًا بقرار ترامب:
هل يريد تنفيذ خطته، أم يريد فقط منع انهيارها إلى ما بعد الانتخابات؟
فإذا فُرض التزام متزامن: سلاح مقابل انسحاب، وتهدئة مقابل مساعدات، وإدارة مقابل إعمار، تبدأ المرحلة الثانية.
أما إذا طلب من الفلسطينيين التنفيذ بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلًا، فسيتحول الاتفاق إلى آلية لشراء الوقت وتثبيت واقع الاحتلال.
المؤشر الحاسم ليس البيانات ولا الاجتماعات؛ بل ثلاثة أرقام وأفعال: المتر الأول من الانسحاب الإسرائيلي، حجم المساعدات التي تدخل غزة، وبدء الإدارة الفلسطينية عملها فعليًا.
هناك فقط يمكن القول إن خطة ترامب انتقلت من الورق إلى الأرض؛ وما دون ذلك ليس تنفيذًا، بل إدارة للأزمة.