جاري التحميل...

تقسيم غزة

جمود في ملف غزة، واستمرار لسقوط الضحايا بفعل القصف الذي يعطي استمرارية لمشهد الحرب، ومستقبل لا يزال غامضاً رغم ما يتم عرضه من تفاصيل ثانوية لم تغادر دائرة التفاوض والمقترحات، فكل ما يتعلق بمستقبل غزة مرهون بسلاح حماس، الذي وقّعت على تسليمه ضمن الاتفاق، وهو الإشكالية التي لا تزال مستمرة وتحول دون دخول اللجنة المكلفة بإدارة غزة.
بالمقابل، هناك رضا إسرائيلي من تعقيد المشهد واستمرار تعثره، فبحسب يسرائيل كاتس: “إذا لم توافق حماس على نزع سلاحها ستعمل إسرائيل على توسيع السيطرة على شمال قطاع غزة”. وبالنتيجة هو القصف اليومي واستمرار سقوط الضحايا تحت سقف الهدنة، ما يعني ان إسرائيل تُبقي “حالة الحرب” قائمة، بما يترك اللجنة الوطنية المكلفة بالإدارة عالقة خارج غزة، ويمنع الانتقال للمراحل التالية وصولاً للإعمار والذي هو نقيض ملف التهجير الذي تسعى إليه إسرائيل.
“عقدة السلاح” هي إشكال بنيوي مولود منذ نشأة حماس، لأنه نقل عالم الإخوان المسلمين من دائرة المظلومية إلى “وهم القوة” والتأثير الفعلي المباشر، لذلك تخشى الجماعة من انتهاء حكم حماس في غزة مما سيضعها في مأزق، نظراً لما تحققه سلطة حماس لهم من مكاسب مهمة تضمن جملة المصالح التي استثمرتها الجماعة على مدار العقود الماضية بين عالمي المال وتعويم أيديولوجيا الإخوان، علماً ان العلاقة التي ربطت الجماعة بالقضية الفلسطينية كانت وسيلة للنفوذ، في عملية عنوانها العمل على إيجاد “دور للإسلام السياسي” لكي يصبح البديل. لذلك جاءت حروب حماس منذ 2008 لتصبح واجهة إعلامية إخوانية تناوبت ما بين تصدير البطولات الوهمية، وبين تحويل نتاج المآسي الإنسانية إلى “مظلومية استثنائية” كانت موجهة بقصد التشكيك في الدول العربية، خصوصاً بعد تراجع دور الجماعة في الشارع. فما بعد صيد البطولات التي عرضوها وأظهروها عبر إعلامهم خلال الحروب السابقة كانت تأتي حقبة من بكائيات الإخوان، والتي يبدؤون فيها يوماً إضافياً من أيام خصومتهم، عبر محاولة إزاحة الشبهة عن مقتضيات الجماعة من خلال خلق لوازم الشك والتخوين والذي هو من أهم متطلبات تسلل الجماعة في الشارع.
الإشكالية الأساس أن بقاء غزة بوضعها الحالي أصبح مطلباً يخدم الحكومة الإسرائيلية، فسلاح حماس يعني مباشرة بقاء الاحتلال ما يعني أن التحايل على خطة إنهاء الحرب في غزة بات يرضي كلا الطرفين، وبالتالي أصبحنا أمام معادلة حماس وإسرائيل والتي باتت تفرض واقعاً جديداً في غزة هو “بديل خطة إنهاء الحرب” فإسرائيل ليست مستعجلة على إنهاء الحرب لأن حماس تمسك بالسلاح، بينما حماس تبحث عن الوقت الذي يطيل من أمد بقائها على أمل حدوث متغير جديد، ما يعني أن ثمة معادلة جديدة، تفرضها شراكة الأمر الواقع عبر توافق شرطي بين مصالح حماس ومصالح إسرائيل، مع بروز مقترح جديد عبر وسائل إعلام إسرائيلية يتناول فكرة إعمار جزئي ينطلق من مناطق محددة في الجنوب، والخطوة تعني قيام تقسيم ثالث للقطاع، تريد إسرائيل من خلاله قيام إدارة تجريبية للجنة إدارة غزة. فإسرائيل هنا تفتح بوابة دخول اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة، ولكن هذه اللجنة سوف تجلس على أكوام من الأنقاض والتي تصل قرابة 9 ملايين طن من الركام في رفح المدمرة لوحدها والخالية بالكامل من السكان أو النازحين، بالتالي هي إدارة على أكوام من الركام فقط، وستحتاج من هذه الإدارة ثلاث سنوات وتمويل كبير فقط لإزالة الركام، ثم زمناً آخر لإعادة الاعمار، بالتالي هو تسريب لا يبدو واقعي التنفيذ، لأن لجنة إدارة غزة تم تأسيسها لإدارة القطاع في اليوم التالي وليس لبقائها بين الركام زمناً طويلاً، ما يترك أصل المأساة قائما، لأن المدنيين سيبقون في كامل مواصفات المأساة، بينما سيبقى سلاح حماس هو مبرر يستفيد منه الائتلاف الحاكم في إسرائيل، الذي ينتظر الانتخابات الإسرائيلية نهاية أكتوبر القادم، وما بعد الانتخابات أزمة تشكيل الحكومة القادمة، ما يعني أن شتاءً آخر بانتظار خيام غزة دون حلول، أمام معادلات سياسية غير واضحة المعالم.
في النهاية الهدف الإخواني الذي أوجد حماس في هذه الزاوية من الأرض هو مستمر وسط هذه الحالة، وهو أيضاً ما سعت حكومات اليمين الاسرائيلي على استمراره، لأنه يبقي حالة الانقسام ويعطل استحقاق الدولة الفلسطينية وينقل ملفات التعطيل إلى صدارة المشهد.