| باحث في الشؤون العسكرية والسياسية
تأتي تصريحات وزير الدفاع الأميركي الأخير في سياق يمزج بين “الحرب النفسية” و”الدبلوماسية القسرية”. استخدام لغة التهديد المباشر من قبل وزير الدفاع الأميركي بشن ضربات عسكرية فورية (“الليلة”) يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض مسار تفاوضي من موقف قوة، ومحاولة لانتزاع تنازلات إستراتيجية دون الحاجة إلى الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج.
يمكن تفكيك هذا المشهد عبر ثلاثة أبعاد تحليلية رئيسية:
1. الفجوة بين التهويل السياسي والواقع العملياتي
من الناحية العسكرية، وبناءً على ما طرحه وزير الدفاع الأميركي، لا يمكن فصل “القدرة على التدمير” عن “القدرة على حسم الصراع”.
• يمتلك الجانب الأميركي تفوقاً تكنولوجياً وجوياً كبيراً يتيح له توجيه ضربات موجعة ومحددة لبنى تحتية أو منشآت حيوية. لكن التجارب العسكرية الحديثة تثبت أن الضربات الجوية، مهما كانت عنيفة، لا تنهي قدرة الخصم على الرد إذا كان يمتلك عمقاً جغرافياً شاسعاً ومنشآت محصنة تحت الأرض.
• التهديد الصادر عن وزير الدفاع الأميركي بضربات “واضحة وقوية” يصطدم بواقع التجربة السابقة، مما يجعل أي هجوم عسكري مغامرة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تسريع توجه الطرف المستهدف نحو خيارات ردع أكثر راديكالية.
2. معضلة “ديناميكية الرد” وتدحرج المواجهة
الحسابات الإستراتيجية لتصريحات وزير الدفاع الأميركي لا تتوقف عند حدود الضربة الأولى ، بل تتمحور حول “القدرة على احتواء رد الفعل”.
• إن استهداف العمق الإيراني سيفعّل تلقائياً منظومة رد تشمل الصواريخ الفرط-صوتية، الطائرات المسيرة الانقضاضية، وشبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين الممتدين من بحر العرب واليمن وصولاً إلى شرق المتوسط.
• إن أي تصعيد عسكري مباشر يضع حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر تحت خطر الشلل التام. هذا التهديد لأمن الطاقة العالمي يمثل كابحاً أساسياً أمام تحويل التهديدات الأميركية اللفظية إلى فعل عسكري مفتوح، نظراً لتبعاته الكارثية على الاقتصاد العالمي.
3. غياب الأفق الإستراتيجي وفجوة الأهداف
تكمن الأزمة الحقيقية في تصريحات وزير الدفاع الأميركي في عدم وضوح “اليوم التالي”
• تطلب الإدارة الأميركية تمويلات إضافية وتلوّح بالقوة لفرض اتفاقات جديدة، لكن استخدام القوة العسكرية المفرطة غالباً ما يؤدي إلى إغلاق قنوات الدبلوماسية بدلاً من فتحها.
• تدمير بعض الأهداف العسكرية أو الحيوية قد يعطل القدرات التقنية لإيران مؤقتاً، ولكنه لا يغير من عقيدتها السياسية أو العسكرية، بل يمنحها مبرراً دولياً وشعبياً لرفع وتيرة التحدي وتوسيع نطاق المواجهة.
إن تصريحات وزير الدفاع الأميركي الأخيرة تندرج تحت إستراتيجية “حافة الهاوية”؛ حيث يحاول البنتاغون رفع السقف السياسي إلى حده الأقصى لتحسين شروط التفاوض القادم، مستنداً إلى استعراض القوة. ومع ذلك، فإن إدراك واشنطن لكلفة الرد المقابل، والقدرة الردعية للطرف الآخر على إشعال جبهات متعددة وشل حركة الملاحة والاقتصاد، يجعل خيار “الحرب الشاملة” مستبعداً. السيناريو الأكثر واقعية هو البقاء في دائرة “الضربات المتبادلة والمحسوبة بدقة” لترسيم حدود القوة، تمهيداً للجلوس على طاولة التسويات الإقليمية.





