ثانياً: العقل الميتافيزيقيّ:
د. عدنان عويّد
إن العقل الميتافيزيقي في المعرفة, وفق هذه المرجعية يمثل قدرةً قائمةً بذاتها, ومفتوحاً على كل الأفاق, وهو – أي العقل الميتافيزيقي – منذور لحدوسه وتأملاته الباطنيّة الذاتية، أي منذور لفكره الشخصي، ولأصالته ككائن متفرّد، ولا يمنع هذا من استرشاده واستفادته من فكر الآخرين. لكنه في كل الأحوال، غير ملزم بما يقوله هؤلاء وأولئك، أو ما يجري في الواقع من أحداث وتأثيرها على الإنسان ذاته وفكره, بل هو سيد تأملاته، حتى لو لم توصله هذه التأملات لشيء ذي بال. (أنا أفكر إذاً أنا موجود). وهنا تتجسد (المثاليّة الذاتيّة) في هذا العقل الميتافيزيقي, وهي عقليّة معرفيّة تقوم بإنتاج المعرفة من ذاتها كما أشرنا أعلاه. رغن أن “ديكارت” يقر بأن هناك معارف أوليّة مسبقة موجودة في عقل الإنسان منذ ولادته. ولكن يظل العقل المستقل هو من ينتج النسبة الأكثر من الأفكار.
لقد انتقل الانسان مع العقل الميتافيزيقي (المثالي الذاتي), أي من التفكير بطريقة غيبيّة تعتمد الخيال والاستسلام للقدرات الغيبيّة كما هو الحال في العقل اللاهوتي، الى التفكير بطريقة (تأمليّة) مجردة تعتمد على العقل في صيغته المثاليّة الذاتيّة (الديكارتية). وفي هذه المرحلة كف العقل البشري في أنموذجه هذا عن تفسير الظواهر بقوى غيبيّة مفارقة لها, وافترض أن هناك قوىً خاصةً بكل ظاهرة منفردة, كامنة فيها وملازمة لها. فاذا كان الانسان في مرحلة العقل اللاهوتي يعتقد أن ظاهرة نمو النبات, أو احتراق الخشب مثلاً ترجع الى إله النار أو إلى الله في مرحلة لاحقة، فانه في مرحلة العقل الميتافزيقي يفسر ظاهرتي النمو والاحتراق بقوى كامنة فيهما، فالنبات ينمو لان فيه قوة النماء، والخشب يحترق لان فيه قوة الاحتراق ..الخ. ومع ذلك لم يستطع العقل هنا أن يتخلص من أسر الوهم والخيال للخروج إلى عالم الحياة الحقيقة, عالم نشاط الإنسان ودوره في تكوين العقل وتحديد سماته وخصائصه الواقعيّة.
كاتب وباحث وناقد من سوريا.
[email protected]