ثروات مهدورة وقبضة أمنية.. تنظيم قسد عبء ثقيل على سكان شمال شرق سوريا

سانا: تتصاعد مؤشرات الاحتقان الشعبي في مناطق شمال شرق سوريا، مدفوعة بسياسات تنظيم قسد الذي بات مكشوفاً بشكل مباشر بتسخير موارد المنطقة لخدمة أجندات “حزب العمال الكردستاني” الإرهابي (PKK).

شعارات براقة وواقع يستنزف المكون الكردي
ورغم الشعارات التي رفعها التنظيم عند تأسيسه في العاشر من تشرين الأول 2015، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن منظومة أمنية واقتصادية أدت إلى استنزاف المكونات المحلية، وفي مقدمتها المكون الكردي الذي بات يتساءل عن جدوى هذه المغامرات السياسية التي لم تورثهم سوى الفقر والملاحقات واختطاف فتيانهم وفتياتهم وزجهم بمعسكرات مغلقة.

قبضة أمنية وسجون بلا عدالة
ويعتمد تنظيم قسد في إدارة شؤون المنطقة على سياسة القبضة الحديدية لإسكات أي صوت معارض لنهجه، سواء كان هذا الاعتراض على نهب الثروات أو على سياسة التجنيد الإجباري، وفي هذا السياق تكشف إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن واقع مظلم داخل مراكز الاحتجاز، حيث يقبع أكثر من 4500 معتقل في سجون التنظيم دون مذكرات توقيف قانونية أو محاكمات عادلة.

وتشير الإحصائيات إلى أن من بين هؤلاء المعتقلين مئات الناشطين السياسيين والإعلاميين الذين حاولوا تسليط الضوء على تجاوزات الإدارة الذاتية، ولا يقتصر الانتهاك على الاعتقال فحسب، بل يمتد لظاهرة الإخفاء القسري التي طالت ما لا يقل عن 2100 شخص، ما يترك عائلاتهم في مهب المجهول وسط رفض التنظيم الإفصاح عن مصيرهم أو السماح للمنظمات الدولية بزيارتهم.

عسكرة الطفولة واختطاف القاصرين
وفي خرق فاضح للقوانين الدولية، يواصل تنظيم قسد عبر أذرعه المختلفة، ولا سيما منظمة “شبيبة الثورة”، المرتبطة بتنظيم (PKK) الإرهابي عمليات تجنيد الفتيات والشبان قسرياً، حيث وثقت تقارير الأمم المتحدة تجنيد أكثر من 1200 طفل خلال العام الماضي، حيث يتم انتزاع الأطفال من مقاعد الدراسة وزجهم في معسكرات إيديولوجية تابعة لـ (PKK) الإرهابي، ما يسفر عن تمزيق النسيج الاجتماعي وتهجير العائلات التي تخشى على أبنائها من “خطف الطفولة” المنظم.

من جهتها أكدت وزارة الخارجية الأمريكية في تقرير صادر عنها في ال25 من حزيران 2024 حول الاتجار بالبشر أن تنظيم قسد المرتبط بحزب العمال الكردستاني في شمال شرق سوريا استمروا في تجنيد الأطفال واستخدامهم خلال عامي 2022 و2023، مشيرة إلى أن بعضهم تلقى تدريباً عسكرياً في جبال قنديل بالعراق.

هذا النهج لم يتوقف في العام 2025، إذ وثقت منظمات حقوقية مستقلة حالات خطف وتجنيد أطفال قصر، ومن أبرزها حملة أمنية اجتاحت أحياء في الرقة ومناطق بدير الزور بين ال29 من أيلول وال5 من تشرين الأول الماضيين، طالت ما لا يقل عن 113 شخصاً بينهم 12 طفلاً تم احتجازهم بهدف سوقهم إلى معسكرات التجنيد الإجباري، ما يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي واستنزاف جيل كامل.

أدلجة التعليم وتفتيت النسيج المجتمعي
ووفق تقارير وجهات متعددة وثقت الواقع التعليمي والاجتماعي في تلك المناطق، فإنه إلى جانب العسكرة، يفرض تنظيم قسد مناهج تعليمية مؤدلجة تفتقر إلى الاعترافين المحلي والدولي، ما تسبب بتجهيل جيل كامل وحرمانه من مستقبل أكاديمي واضح، ما أسفر عن موجات هجرة جماعية للأسر الكردية والعربية؛ وأحدث شرخاً ديمغرافياً واستنزافاً بشرياً مستمراً يهدد استقرار المنطقة على المدى البعيد.

نهب الثروات وتكريس واقع الفقر
تؤكد تقارير مراكز دراسات متخصصة أن تنظيم قسد الذي يسيطر على 80% من موارد الطاقة السورية، يقوم بتحويل عوائد هذه الثروات لتمويل العمليات العسكرية وهياكل التنظيم الخارجية، بينما يرزح أكثر من 90% من السوريين تحت خط فقر مدقع، بما فيها المناطق التي يسيطر عليها تنظيم قسد، وفق تقرير للصليب الأحمر الدولي عام 2023.

وأشارت التقارير إلى أن هذا التباين الحاد بين غنى الأرض وفقر الشعب أدى إلى انفجار احتجاجات شعبية متكررة ضد تنظيم قسد، قوبلت غالباً بالرصاص الحي والاعتقالات التعسفية.

خلافات القيادة وارتهان القرار
وعلى الصعيد الداخلي، تؤكد مصادر محلية متقاطعة أن التنظيم يعيش حالة من التخبط نتيجة الصراعات المحتدمة بين “الكوادر الأجنبية” المرتبطين بجبال قنديل وبين القيادات المحلية التي تجد نفسها مجرد “واجهات” لتمرير قرارات إقليمية، وفق متابعين ومختصين بالشأن الكردي.

واعتبروا أن هذا الارتهان للخارج جعل مصالح هذه القيادات مرتبطة كلياً بأجندات دولية لا تتقاطع مع تطلعات السوريين، بينما يرافق ذلك آلة إعلامية تمارس تحريضاً منفلتاً، وتخوّن كل من يطالب بالإصلاح أو يعارض الارتهان للخارج، ما يعمق الانقسام المجتمعي في تلك المنطقة.

التنصل من التعهدات الوطنية.. “اتفاق العاشر من آذار” نموذجاً
وفي سياق سعيه إلى فرض سلطة أمر واقع، واصل تنظيم قسد سياسة التنصل من التفاهمات الوطنية، وفي مقدمتها “اتفاق العاشر من آذار” 2025، فبينما أبدت الدولة السورية التزاماً كاملاً ببنود الاتفاق التي تضمن وحدة وسلامة الأراضي السورية وتفعيل الخدمات للمواطنين، عمد التنظيم إلى انتهاك التفاهمات عبر تعزيز نزعته الانفصالية والمماطلة ورفض تسليم المؤسسات الحيوية.

بالتوازي يرى مراقبون أن هذا النكوص يعكس ارتهان قيادات التنظيم للقرار الخارجي، وتغليب مصالحهم الفئوية على المصلحة الوطنية العليا التي جسدها الاتفاق الساعي إلى إنهاء معاناة السكان وإعادة بسط سيادة الدولة.

مشروع قسد تحول إلى سلطة قمع واستنزاف
وتخلص القراءات الميدانية والسياسية للمشهد إلى أن “المكاسب” التي روج لها تنظيم قسد للكرد لم تكن سوى وهم، إذ تحول المشروع إلى سلطة أمر واقع تمارس القمع والاعتقال التعسفي، وتستنزف خيرات البلاد، ما يجعل المنطقة رهينة لقرارات تنظيمات عابرة للحدود، بالمقابل هناك رغبة شعبية واسعة يبديها أهالي المنطقة للتخلص من هذا الواقع المرير عبر بسط الدولة سيادتها الكاملة وتخليصهم من إرث دام عقوداً في سوريا.