جاري التحميل...

ثقافة السلطة والدين: مرايا التاريخ في حاضر الشرق المضطرب:

 

في مطالع القرن الحادي والعشرين، وبين رماد الحروب وتآكل الأنسجة المجتمعية في الشرق الأوسط، تبرز مشاهد الحاضر كأنّها صدى بعيدٌ لما شهدته أوروبا في القرن السادس عشر: تفكّك في البُنى العائلية والاجتماعية، تفسّخ في الهويات القومية، واحترابٌ دينيٌّ وسياسيٌّ مريرٌ لم يترك للإنسان سوى الرماد والخراب.
لقد كانت أوروبا في ذلك العصر ميداناً للفوضى الدينية والتحولات السياسية الجذرية، حين تمزّق النسيج الاجتماعي تحت ضربات المذهبيات المتصارعة، وسُحقت الحقوق في دهاليز الممالك والأمراء المتنازعين على ما تبقى من خرائط السلطة. واليوم، لا يبدو الشرق إلا نسخة مشوهة ومكرورة من ذلك الجحيم القديم، لكن بوسائل أكثر دهاءً وبخطابات أكثر تضليلاً.
إن التشابه بين الإنسان في كل زمان ومكان، من حيث فطرته ورغباته العميقة في الحرية والسعادة وتحقيق الذات، يدفعنا إلى أن نقرأ واقعنا لا من زاوية انعزالية متقوقعة، بل من خلال وعي تاريخي مقارن، ينظر في مرايا الأمم الأخرى، لا ليقلّدها تقليداً أعمى، بل ليفهم شروط التحول، ويستخلص جدليّة الفعل والتأثير في السياق الإنساني العام.
ذلك أن الإنسان، في عمقه الوجودي، خاضع لحتميّاتٍ تاريخية لا يمكن تجاهلها، وهي حتميّات تتعلق بنضج الوعي وفعالية العقل وقدرته على مقاربة الواقع بمنطق التغيير لا بمنطق التبرير والتكرار. فكما لم تخرج أوروبا من ظلماتها إلا عبر خلخلة مركزية السلطة الدينية، وتفكيك هيمنة الملوك، وانبثاق العقلانية النقدية الحديثة؛ فإن الخروج من أزماتنا اليوم يستلزم صداماً واعياً مع ثقافة الاستبداد الديني والسياسي، لا تواطؤاً معها.
غير أننا لا ندعو إلى استنساخ التجربة الغربية كما هي، فهذا ضربٌ من السذاجة ومقتلٌ للخصوصية. وإنما المقصود هو استدعاء التجربة التاريخية باعتبارها مرآة تكشف لنا طبيعة التحولات الكبرى في العالم، وكيف تنشأ التصدّعات، ومن أين ينبثق الأمل، لا لنبقى في وهم الهوية المنعزلة، بل لننخرط في التاريخ بوصفه حركة إنسانية شاملة تتجاوز الحدود المصطنعة.
فالحدث التاريخي ليس شأناً محلياً معزولاً، بل هو فعلٌ إنسانيٌّ تتداعى أصداؤه في أرجاء المعمورة. وما نراه اليوم في مجتمعاتنا من تفكك وقمع وصراعات هو في جوهره نتاج لتاريخ من العنف الممنهج والهيمنة المعولمة، حيث لم يكن للمنطقة يوماً خيارٌ مستقلٌّ تماماً عن صراعات القوى العالمية.
ولهذا فإن فهم حاضرنا لا يكون إلا بفتح دفاتر التاريخ، وإعادة تأويله في ضوء التحولات الفكرية الكبرى، لأن مشكلاتنا – سواء في علاقتها بالسلطة أو الدين – لا تُفهم إلا ضمن شبكة من التفاعلات العالمية التي أنتجت ما نراه اليوم من تشوهات في الوعي، وتسلّط في الحكم، واستلاب في الخطاب الديني.
لقد آن الأوان لأن نكفّ عن اجترار شعارات الخصوصية الثقافية كذرائع للجمود، وأن ننخرط في مشروع نقدي يعيد ترتيب العلاقة بين الدين والسلطة، بين التاريخ والهوية، بين الإنسان ومصيره. فالعقل وحده، حين يتحرر من القيود المسلّطة عليه باسم الدين أو الأمن أو التراث، قادرٌ على تفكيك هذا التواطؤ التاريخي بين الاستبداد والمقدس، ليضع الإنسان مجدداً في مركز الفعل، لا ضحيته.