جاري التحميل...

ثلاثة وثلاثين عاما على أوسلو … الى اين وصلنا ؟؟

عصري فياض

القوس الزماني والمكاني الطويل الذي بدأ من صفر الثالث عشر من أيلول من مكان ساحة البيت الأبيض بحضور سيد البيت وقتها الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلنتون والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والرئيس الحالي محمود عباس ورئيس حكومة إسرائيل وقتها إسحاق رابين وشمعون بيرس حتى يومنا هذا كله في صندوق اتفاق أوسلو وتداعياته وما نتج عنه…

نعم الظروف التي جاء فيها الاتفاق تخلتف اختلافا كليا عن الظروف الحالية،فهذا الاتفاق،جاء بعد حرب الخليج الثانية،تلبية لوعد قطعه قادة الولايات المتحدة للقادة العرب بعد تعاونهم الوثيق في حرب اخراج صدام حسين وجيشه من الكويت في العام 1991،وبعد الاعتراف الأمريكي بمنظمة التحرير الفلسطينية وفتح مكتب لها في العاصمة الامريكية بعد قبول شروط هذا الاعتراف،والانخراط في مؤتمر مدريد للسلام،والإبقاء على التفاوض حتى بلوغ هذا الاتفاق الذي اعترفت فيه منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة الشعب الفلسطيني بإسرائيل،مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير…

سميّ وقتها اتفاق مبادئ، اقر أمورا وأجل أمورا أخرى وبرر انه مؤقتا لخمس سنوات تكون خلالها مفاوضات لحل القضايا الكبرى المؤجلة كالدولة والحدود والمياه والقدس وحق العودة…

جرت جولات من المفاوضات سواء كانت على تفاصيل بنود المباديء او على بنود الحل النهائي،وتفرَّع عن الاتفاق عدة اتفاقيات منها غزة اريحا أولا،ثم اتفاق إعادة الانتشار في الضفة وواي ريفر واتفاق باريس الاقتصادي،اما الفروع المؤقتة فقد طبقت ولو مؤقتا،في حين القضايا الكبرى المؤجلة فلم يحسم منها أي ملف…

قتل إسحاق رابين على يد متطرف يهودي رافض لمسار أوسلو، ولم يكن وحيدا في المجتمع الإسرائيلي بل هو مفردة يمينية كانت تكبر وتنتشر في إسرائيل،فعل فعلته باثر كم التحريض الذي كان،وقتها قال عرفات لليلى شهيد السفيرة الفلسطينية في باريس التي دخلت عليه في مكتب كان فيه على شاطئ بحر غزة ” لقد قتلوا الشخص الوحيد الذي ممكن ان نصنع معه السلام “، وبعد اشهر قليلة فاز اليمين بقيادة حزب الليكود وبقيادة نتنياهو في انتخابات 1996،وبالرغم من ان نتنياهو رافض لهذه الاتفاقية ،الا انه اجبر أمريكيا على توقيع اتفاقية و”اي ريفير” وقسَّم الخليل الى منطقتين H1 وH2على مضض وكانه ينتظر ذلك الزمان الذي كان يعتقد اعتقادا نابعا من مفاهيمة التلمودية انه قادم لينسف كل ما اتفق عليه بالرغم من التزم السلطة الفلسطينية،فهذا نتنياهو الذي كان في فترة من الفترات سفير لإسرائيل في الولايات المتحدة الامريكية كان يذهب كلَّ عام وفي ذكرى وفاة المفكر اليهودي المتطرف ” زئيف جبوتينسكي” أحد أقطاب الحركة الصهيونية وصقورها ومؤسس منظمة ” الهاغانا ” والداعي لتهويد كل فلسطين وطرد ألعرب منها مما احدث خلافات مع ابن غريون والذي شبهه في خطاب في تل ابيب ذات مرة بهتلر، لقد التقى نتنياهو لأول مرة مع ترامب الرئيس الأمريكي الحالي عندما كان رجل اعمال قبل عقود على ذلك الضريح والذي جمعهما به هو حب أفكار ذلك المفكر اليهودي المتطرف وللمفارقة ان والد نتنياهو كان سكرتيرا “جبتوتينسكي” ولا زال يحتفظ بسيفه في بيته.

من هنا نرى ان هذه الاتفاقية وبالرغم من التزام الجانب الفلسطيني بها،الا ان التوجه الإسرائيلي وعلى امتداد حكم الحكومات اليمينية التي على صهوتها نتنياهو خلال معظم فترة الثلاثين عاما الماضية تعمل بإحياء من صلب تلك الثقافة، وتخطوا خطوات متسارعة على الأرض وكأنها تسابق الزمن في تغيير الواقع في الضفة والقطاع بما يجعلها تخلق وقائع جديدة يصعب على أي كان تغييرها، وبالتالي تنسف بشكل عملي كل إمكانية لتحقيق الاجماع شبه الدولي بحل الصراع ضمن رؤية حل الدولتين ،وتسعى لحصر الفلسطينيين في كانتونات مغلقة على وقع ضغط امني واقتصادي لا يطاق، تمهيدا لقدوم اللحظة التي يتم فيها ترحليهم في شتى الاتجاهات لتبقى إسرائيل دولة الشعب اليهودي الخالصة دون شركاء،بالتالي يكون أوسلو الذي مضى عليه ثلاثة وثلاثون عاما في مهب ريح الأفكار التلمودية المتطرفة التي أصبحت تسكن المجتمع الإسرائيلي وقلبته سياسيا راسا على عقب،فلم يعد الخلاف في هذا المجتمع بين أحزاب تحمل الفكر الاشتراكي او شبه اليساري وأحزاب اليمين، بل ان الواقع انقلب رأسا على عقب وأصبحت الأحزاب يمين ويمين متشدد، والخلاف بينهما ليس على الجوهر بل على تفصيل هنا،وتفصيل هناك أسلوب في تحقيق الأهداف هنا وأسلوب هناك، كل ذلك في ظل الرئيس الأمريكي دولاند ترامب الذي لم يتراجع عن حبه القديم والاعجاب بأفكار ” زئيف جبوتينسكي” .

لقد دفنت الثلاثة والثلاثون عاما اسلو والى الابد،ولم يعد في واقع الصراع الا ذكرى وملهاة او ربما حلم مع انه لا يصلح لان يكون حلما لأنه ولد خداجا لم يمكل عمره المفترض،ولم يخرج من غرفة العناية الحثيثة بعد ان اجتاحه طوفان التطرف الإسرائيلي والى الابد، ولكن السؤال هل فهمنا نحن الفلسطينيون والعرب حقيقة ما جرى ام ما زلنا نكابر ونتمسك بخيط دخانها وفراغ سرابها؟