د صالح الشقباوي
استاذ علم الاجتماع والفلسفة
ننتصر بحضور خلود الفكرة وأبدية البقاء، في غياهب السرمدية الفلسطينية، حيث الوطن والشعب حكاية لا تنتهي.
لم يكن غياب ياسر عرفات غياب رجل عن مشهد سياسي، بل كان غياب مرحلة تاريخية كاملة، اختزلت في شخصه ذاكرة الثورة، ووجدان الشعب، وحلم الدولة، وإرادة البقاء.
ثلاثة وعشرون عاماً مضت، وما زال أبو عمار حاضراً في الوعي الفلسطيني، لا بوصفه ذكرى عابرة، بل باعتباره فكرة متجددة، ورمزاً وطنياً تجاوز حدود الزمن والمكان.
لقد أدرك أبو عمار أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا محتلة، بل هي كينونة وجودية، وهوية تاريخية، وحق لا يسقط بالتقادم. لذلك جعل من الثورة فعلاً للوجود، ومن المقاومة إعلاناً عن إرادة شعب قرر ألا يختفي من خرائط التاريخ.
قد يغيب الجسد، لكن الفكرة لا تغيب، وقد يرحل القائد، لكن المعنى الذي زرعه في وجدان شعبه يظل قادراً على إنتاج الحياة والمستقبل.
إن انتصارنا الحقيقي ليس في استعادة صورة الماضي وحدها، بل في استعادة روح المشروع الوطني، وتجديد الفكرة الفلسطينية، وحماية وحدة الشعب، وإعادة الاعتبار للحرية والاستقلال والكرامة.
أبو عمار، ثلاثة وعشرون عاماً من الغياب الجسدي، وثلاثة وعشرون عاماً من الحضور الوجداني والتاريخي.
فلسطين لا تموت، لأن في رحمها شعباً لا ينتهي، وفكرة لا تشيخ، وذاكرة تقاوم النسيان، وخلوداً يتجاوز حدود الزمن.