جاري التحميل...

جرس انذار يوم الصحافة

عمر حلمي الغول
في الذكرى ال 30 ليوم التضامن العالمي مع الصحفي الفلسطيني، الذي اقره الاتحاد الدولي للصحفيين في 26 أيلول / سبتمبر 2026، في اعقاب هبة النفق في القدس العاصمة الفلسطينية المحتلة، تملي الضرورة مجددا قرع جرس الإنذار أمام العالم اجمع، وليس أمام الاتحادات والمنابر والمؤسسات الإعلامية الإقليمية والدولية فقط، لتحمل الهيئات الأممية والدول والبرلمانات والنخب السياسية والقانونية والمهنية مسؤولياتها تجاه ما يتعرض له العاملون في مهنة المخاطر – السلطة الرابعة – من انتهاكات وجرائم حرب وابادة جماعية إسرائيلية منفلتة من عقال القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، واهداف وتشريعات الاتحادات والنقابات الصحفية الإقليمية والاممية، التي فاقت أخطارها ما شهدته الحروب العالمية والإقليمية كافة.
ولم يكن استهداف الصحفيين والعاملين في حقل الصحافة ومؤسساتهم ووكالاتهم المحلية والعربية والدولية، استهدافا اعتباطيا، أو وليد الصدفة المحضة، او مجرد ردود فعل طائشة وآنية، انما هو استهداف مقصود وعن سابق عمد وإصرار، لتكميم الافواه، وخنق صوت الشاهد، وتدمير عدسات الكاميرات وحتى الجوالات ومقرات المؤسسات ووكالات الانباء التي تنقل صور المذابح والكارثة المروعة، وطمس جرائم الحرب والابادة الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني في ارجاء الوطن الفلسطيني في تجمعاته كافة، وخاصة في قطاع غزة للتغطية على المجازر الوحشية، الذي دفع فيه رواد وجنود الصحافة البواسل الكم الأكبر من الضحايا والجرحى، فبلغ عدد الشهداء منهم 262 شهيدا وشهيدة منذ السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، منهم 261 في قطاع غزة، وشهيد واحد في الضفة الغربية في مدينة طولكرم، بينهم 6 منذ بداية العام الحالي 2026، وفق رصد وتوثيق لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين.
ولا اريد في هذه الزاوية إعادة طرح عدد الانتهاكات الخطيرة، التي ارتكبتها دولة التطهير العرقي والعنصرية الوحشية الإسرائيلية على مدار عقود الصراع، وخاصة خلال الأعوام الثلاثة الماضية بعد 7 أكتوبر 2023، ووثقتها نقابة الصحفيين في بيانها الصادر أمس السبت بالمناسبة، ويمكن العودة للبيان للاطلاع عليه، الذي كشف عن السلوك الاجرامي الممنهج في استهداف الصحفيين الفلسطينيين ومؤسساتهم ومكاتبهم وخيامهم ومعداتهم، ويتمثل في الأساليب والانتهاكات والعربدة الوحشية: القتل المتعمد، أو الإصابة بالرصاص الحي أو المطاطي أو بغيرها من أدوات الترهيب، والاعتقال والاحتجاز دون أي مبرر، والمحاكمات الصورية، والغرامات المالية الكبيرة، واستخدام الضغط القانوني الاستعماري، والتدمير العضوي، واستهداف أسر الصحفيين والإعلاميين عموما ومنازلهم، وغيرها من أساليب تكميم الافواه، وتكسير الكاميرات بهدف تعتيم عدساتها التي لا ترمش، وحتى تخريب الستر الواقية .. الخ.
وعلى أهمية القرارات التي اتخذتها الاتحادات والنقابات الإعلامية الإقليمية والدولية في الدفاع عن حرية الصحافية، وحماية الصحفيين في دولة فلسطين المحتلة، الا أن الضرورة تفرض على تلك المؤسسات والهيئات الدولية الارتقاء لمستويات أعلى في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، من خلال التوجه لمحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الانسان، وحتى إن أمكن التوجه لمجلس الامن الدولي عبر ممثلي الدول الأعضاء، والسعي الجدي لانتزاع قرارات ضد الإبادة الجماعية وضد الصحفيين والإعلاميين عموما في فلسطين وخاصة في قطاع غزة. لأن ما واجهته الصحافة وجنودها الابطال من أخطار وأهوال، فاق كل ما واجهه الصحافيون في العالم اجمع. وبالتالي هناك حاجة ماسة لانتهاج قادة الاتحادات والنقابات الأممية آليات وأساليب جديدة ونوعية لتطوير سياساتهم واجراءاتهم لمواجهة النازية الإسرائيلية، التي تهدد مستقبل الصحافة والاعلام في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها من الدول العربية والإقليمية.
كما أن الضرورة في مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الصحفيين الفلسطينيين، تتطلب من المؤسسات الفلسطينية الرسمية والاهلية كافة ومنظمات المجتمع المدني بمختلف مشاربها وتوجهاتها إعطاء مساحة أوسع للتضامن مع الصحفيين والإعلاميين ومنابرهم ومؤسساتهم ووكالاتهم، وحمايتهم كأشخاص، وصون حريتهم وحرية الكلمة، وعدم تقييدهم تحت أي قيود. لا سيما وأن الساحة الفلسطينية على مدار عقود الصراع وخاصة بعد انطلاق شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة في مطلع كانون ثاني / يناير 1965، كانت من أهم وأغنى وأثرى الساحات العربية والإقليمية، ونافست الدول الأوروبية وغيرها في حيويتها وثقل دورها، وبالتالي هناك حاجة للعمل على استعادة الصحافة دورها الإبداعي والخلاق، لإثراء المشهد الفلسطيني الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي بالتعددية وحق الاختلاف والتباين، ومنحها الزخم والكفاءة ورشاقة وقوة الحضور في الساحة، للإسهام في رفد صناع القرار بالرؤى والاجتهادات الإيجابية، وحتى ولو من زاوية الاختلاف. فالصحافة لا يمكن ان تعيش وتنمو وتتطور إن كانت بمثابة تعميم سياسي من لون واحد، عندئذ لا تكون صحافة، بل تكون أي شيء ألا أن توصف أو توسم بالصحافة.
[email protected]