عمران الخطيب
بعد 56 عامًا على رحيله، لا يزال جمال عبد الناصر حاضرًا في الذاكرة العربية، ليس بوصفه رئيسًا مصريًا رحل عن عالمنا فحسب، وإنما باعتباره شخصية سياسية وتاريخية ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تاريخ مصر والعالم العربي وحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لقد ترك عبد الناصر بصمته في تاريخ مصر، كما امتد تأثيره إلى خارج حدودها، من خلال مشروعه القومي ومواقفه المناهضة للاستعمار ودعمه لحركات التحرر الوطني. ولذلك لم يكن رحيله في 28 سبتمبر/أيلول 1970 حدثًا مصريًا أو عربيًا عابرًا، بل كان حدثًا ترك أصداء واسعة في المنطقة والعالم.
عبد الناصر والعدوان الثلاثي
قبل أيام، استمعت إلى حوار تناول أسباب مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهي الحرب التي شاركت فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عقب قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس.
ومن بين الأسباب التي طُرحت في ذلك الحوار الموقف الفرنسي من دعم عبد الناصر للثورة الجزائرية وحركة التحرر الوطني في الجزائر، في وقت كانت فيه فرنسا تخوض مواجهة مع الثورة الجزائرية، التي انتهت باستقلال الجزائر عام 1962.
ولم يكن الموقف المصري من حركات التحرر مقتصرًا على الجزائر، فقد ارتبط عهد عبد الناصر بدعم عدد من حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما جعل مصر في تلك المرحلة مركزًا مهمًا في حركة مناهضة الاستعمار والتحرر الوطني.
فلسطين في المشروع الناصري
ومن بين الملفات التي لا يمكن فصلها عن تاريخ عبد الناصر القضية الفلسطينية.
فقد احتلت فلسطين موقعًا بارزًا في السياسة المصرية خلال عهده، وفي سياق تلك المرحلة برز أحمد الشقيري، الذي ارتبط اسمه بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي عام 1963، كُلّف الشقيري بإجراء اتصالات وجولات عربية وفلسطينية بهدف بلورة إطار سياسي يمثل الفلسطينيين، وشملت تحركاته عددًا من الدول العربية، إلى جانب قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
وتُوّجت هذه الجهود بانعقاد الدورة الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني في القدس عام 1964، والإعلان عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وانتخاب أحمد الشقيري أول رئيس للجنتها التنفيذية.
ومن وجهة نظري، كفلسطيني، فإن هذه المحطة تمثل جانبًا مهمًا من تاريخ الهوية الوطنية الفلسطينية، ومن مسار انتقال القضية الفلسطينية من إطار اللجوء والتشتت إلى إطار سياسي ومؤسسي يحمل اسم الشعب الفلسطيني ويمثله على الساحة العربية والدولية.
إرث يتجاوز حدود الزمن
قد يختلف الناس في تقييم تجربة جمال عبد الناصر وسياساته، كما تختلف القراءات التاريخية لمراحل حكمه، لكن من الصعب تجاهل الحضور الذي تركه في التاريخ العربي وحركات التحرر الوطني.
ففي مصر، ارتبط اسمه بمرحلة سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة التحول، وعلى المستوى العربي ارتبط بالمشروع القومي، فيما ارتبط عالميًا بمواقف مناهضة للاستعمار ودعم حركات التحرر في دول كانت تخوض معاركها من أجل الاستقلال. إضافة إلى دوره تأسيس حركة عدم الانحياز. إلى عدد من زعماء العالم..
ومن هنا، فإن الحديث عن عبد الناصر بعد أكثر من نصف قرن على رحيله ليس مجرد استعادة لذكرى رئيس سابق، بل هو استحضار لمرحلة تاريخية ما زالت آثارها حاضرة في الوعي السياسي العربي.
لقد رحل جمال عبد الناصر، لكن الجدل حول تجربته لم يرحل، كما أن أفكاره ومواقفه ما زالت موضوعًا للنقاش بين الأجيال.
وبالنسبة إلى أنصار الفكر الناصري والقومي العربي، ستظل سيرته وتجربته جزءًا من الذاكرة السياسية العربية، تتناقلها الأجيال، بما حملته من أفكار ومواقف ونضالات، وبما تركته من أسئلة حول مصر والعروبة والتحرر الوطني والقضية الفلسطينية.
56 عامًا على الرحيل، ويبقى جمال عبد الناصر حاضرًا في التاريخ، وفي الذاكرة، وفي حياة أجيال لم تعاصره، لكنها ما زالت تناقش تجربته وتقرأ أثره.
عمران الخطيب