جاري التحميل...

جمهورية المعالف!

بقلم: شادي عيّاد

«قُلْ للحميرِ وإن طالت معالفُها
لن تسبقَ الخيلَ في ركضِ الميادينِ».

يبدو أننا دخلنا زمنًا عجيبًا، صار فيه المعلف مؤسسة، والامتياز إنجازًا، والبقاء بطولة، ومجرد امتلاك القدرة على إغلاق باب المنافسة دليلًا على التفوق! حتى بات بعضهم لا يريد أن يفوز في السباق، بل يريد إلغاء السباق، وإقناع الخيول بأن الركض مخالفة للتعليمات!

الاحتلال عنده نظرية خاصة: احتلال الأرض يتحول مع الوقت إلى حق، وسرقة الجغرافيا تصبح مشروعًا سياسيًا، وصاحب الأرض مطالب بإثبات أنه لم يغادر ذاكرته! وحماس عندها حسابات أخرى: وطن بحجم فلسطين يُختصر في حسابات تنظيم مأجور، وشعب بملايينه يصبح مطالبًا بالتكيف مع خيارات لم يكن شريكًا ابداً في صنعها. أما جماعتنا من محترفي المواقع والامتيازات، فقد اكتشفوا اختراعًا إداريًا مذهلًا: يمكن للإنسان أن يفشل عشرين عامًا، ثم يُكافأ على خبرته في الفشل!

لدينا من يعتقد أن المنصب شهادة نسب، وأن الموقع صك ملكية، وأن المؤسسة لا تستطيع التنفس من دونه. ولدينا من يفسر كل مطالبة بالتغيير على أنها مؤامرة، وكل سؤال عن الإنجاز بأنه قلة وفاء، وكل حديث عن المحاسبة بأنه خروج عن النص. ويبدو أن النص الوحيد المسموح به هو الذي يكتبه أصحاب المعالف لأنفسهم!

يا سادة، لا أحد يطلب منكم التنازل عن أمجادكم الوهمية. احتفظوا بها، وعلّقوا صورها على جدران مكاتبكم، ووزّعوا شهادات التفوق فيما بينكم. لكن اتركوا للناس وطنًا لا يُحتل، ولا يُختطف، ولا يُنهب، ولا يُدار بعقلية الحظيرة المغلقة.

لسنا حسّادًا لأي أحد، ولا نريد معلفًا إضافيًا في هذه الجمهورية العجيبة. نريد أن نرى خيلًا في الميدان، وكفاءات في المواقع، ومؤسسات لا تخاف من أصحاب العقول، وقرارًا فلسطينيًا لا يتوزع بين الاحتلال واحتكار الفصائل ومصالح المتنفذين.

وإذا كان بعضهم يعتقد أن طول الإقامة يمنحه صفة الخلود، فليتذكر أن التاريخ لا يدوّن عدد الوجبات التي تناولها المقيمون في المعالف، بل يسأل عمّا أنجزوه حين كانت الأوطان تنتظر.

والأجمل في الحكاية أن الخيل الأصيلة لا تحتاج إلى اجتماع لجنة لتثبت أنها خيل، ولا إلى بيان توضيحي لتعلن أنها قادرة على السباق. يكفي أن يُفتح الميدان. عندها تنتهي صلاحية الأوهام، ويبدأ امتحان الأصالة.

أما المعالف، فمهما اتسعت، ستظل معالف… مهما أصدر القائمون عليها من قرارات بتغيير المسمّى الوظيفي!

بقلم شادي عياد