لا نرى أعمدة تركز ثبات السماء على الأرض، لكننا نعلم ونعرف ما يكفي عن قوانين وقيم أخلاقية ثابتة، جعلت أمة الانسان تستحق مكانتها الراقية والسامية قياسا بالأمم والمخلوقات في الكون، قيم لا يختلف عليها عاقلان يعيشان على كوكب الأرض من مشرقه الى مغربه، ومن شماله الى جنوبه وما بينهما من خطوط الطول والعرض، فالروح الانسانية ومعناها (المعرفة) اتيحت للجميع دون تمييز او استثناء، والنفس الانسانية مقدسة لا يُعلي ولا يخفض شأن قداستها عرق أو جنس أو لون أو الايمان بعقيدة أو فلسفة أيا كان مرجعياتها ومصادرها ومبعثها، فالصدق نقيض الكذب، والوفاء نقيض الجحود والخيانة، والأمانة نقيض الخيانة واللصوصية، وهكذا التقت أمة الانسان على مبادئ لا تحتاج الى لغة محددة لترجمتها أو شرحها، ذلك أنها لا تحتمل التفصيل والتفسير إلا بالعمل والفعل الانساني النقي الخالص الذي يبدع الانسان – ذكرا كان أم أنثى – في تطبيقات تجسيده لحظيا ويوميا خلال سنوات وعيه المكتمل الناضج من عمره .
لا تنفصل هذه القوانين والقيم عن الخريطة الجينية للإنسان، فهي مولودة معه لا تفارقه، لكن البعض يعني بها وينميها ويبرزها بجمالها وبحسنها الذي لا يضاهيهما جمال وحسن، لإيمانهم بديمومة حياة الأفكار والأعمال المشتقة أو المرتكزة على هذه القيم والقوانين، فيما يتجه آخرون وهم نسبة بسيطة الى تشويهها اثر خلاصات سببها التباس عقل المرء في عملية التمييز الواجبة بين مقاصد الخير والشر، أو إقرار مسار مضاد بقصد الحصول على مكاسب آنية بأسرع وقت ممكن، لانعدام رؤيتهم الواضحة أبعد من مدى الرغبات الشخصية! وهذا التبويب ينطبق على كل إنسان منح فرصة التمتع بالروح (المعرفة) التي لا يمكن تقييدها بمستوى درجات وعلامات شهادات وحسب، بل بانطباق معايير الابداع والتميز عليها، وفقا لحسابات معقدة منها البيئة الاجتماعية، والطبيعية، ومنها مكان تواجده ضمن حلقات التواصل بين المدنية الانسانية (الحضارية) وكذلك بمعيار صحته العقلية والبدنية.
والمثير في الأمر – تحديدا أن في عالمنا المعاصر– اقتصار تركيز الأمم الانسانية والشعوب أنظارها على رأس الهرم السياسي حيث نجد مؤسسات الدولة بسلطاتها القضائية والتشريعية والتنفيذية لرؤية تطبيقات القيم والقوانين الأخلاقية في بلادها، لتطمئن على مستقبلها وكينونة السعادة التي تتمناها متواكبة مع المستقبل لصالح الأجيال، لكن هذا لا يعفيها من تعميم الرؤية على مسارات الحياة كافة، لبلوغ هذه الأماني والتطلعات بأحسن صورها المتجانسة المفعمة بالتوازن والتكوين والتشكيل، فالباحث عن حقيقة السلام والسعادة والمحبة والحرية في أكوام الحقائق والوقائع اليومية، بعناوينها السياسية والثقافية- بما فيها الدينية والتاريخية والتراثية – والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتعليمية والصحية، والإعلامية، عليه مقارنة انسجام (الواقع) مع المبادئ المشتقة أصلا من فلسفة القيم والقوانين، وبما أن الصحافة والإعلام هما الرسالة اللحظية العاكسة لمضامين القيم والقوانين الأخلاقية، والبرهان العملي الأدق للدلالة على مستوى احترام هذا المجتمع الانساني او ذاك لقداسة النفس الانسانية، ذلك أنها لغة التواصل والاتصال اللحظية والباعثة على النقاش والحوار العقلاني، وعامل رئيس لتكامل الثقافات، بين جميع مكونات الأمة الانسانية الذي بات من الصعب تسوير جغرافية شعب ما، أو حجب المعرفة عن أفراده ، لأن من يفعل ذلك، أو يحتكره، أو يشوهه أو يزوره أو يحرفه، أو يستبدله بخرافات وثرثرات وأوهام، ويستهين بذكاء الناس، ولا يقيم وزنا لقدراتهم البصرية والسمعية ولذاكرتهم الفردية والجمعية، فإنه لا يقل إجراما عمن يمتهن الاغتيال السياسي بوجهيه: المادي والمعنوي، فالصحافة والاعلام اليوم أحد اهم منابع الطاقة اللازمة لأرواح الناس، وتغذية النفوس بالأمل الباعث على تقوية الايمان بالحياة وفلسفتها ومناهجها العملية، فهذا الايمان لا بد منه حتى يتمكن الانسان من لمس المعاني الحقيقية للقيم الأخلاقية وقوانينها في وطن يراه جنة للحرية والسلام والسعادة.





